
ضربة قلم
في المحمدية، كما في مدن كثيرة أرهقتها مواسم الانتخابات المتكررة، لم تعد السياسة عند البعض فن تدبير الشأن العام، ولا وسيلة لخدمة المواطنين، بل تحولت إلى سوق أسبوعي كبير تُعرض فيه الوعود بالجملة، وتُباع فيه الضمائر بالتقسيط المريح، وتُشترى فيه الأصوات، كما تُشترى الخضر والفواكه في آخر النهار.
وفي هذا المناخ الذي تختلط فيه السياسة بالتجارة، وتضيع فيه الحدود بين النضال الحقيقي والسمسرة الانتخابية، برزت فئة من “ساسة آخر الزمان” الذين لا يؤمنون بالبرامج ولا بالأفكار ولا بالكفاءات، وإنما يؤمنون بشيء واحد لا غير: المال، ثم المال، ثم المال.
هؤلاء لا يرون في المواطن، إنساناً له كرامة وطموحات وانتظارات، بل يرونه رقماً انتخابياً متحركاً، وصوتاً قابلاً للبيع والشراء، ومشروع ورقة انتخابية، يمكن اقتناؤها متى توفرت السيولة الكافية.
ومن بين هؤلاء من تجاوزوا حتى الأساليب التقليدية في استمالة الناخبين، وقرروا الانتقال إلى مستوى أكثر احترافية في صناعة العبث. أحدهم، وهو من أصحاب الخبرة الحديثة في إخراج السيناريوهات السياسية الرديئة، جلس ذات مساء يفكر في كيفية ضمان طريق سالك نحو المقعد الانتخابي، دون إزعاج أو منافسة حقيقية.
وبعد طول تفكير وتأمل، وربما بعد جلسات من “العصف الذهني الانتخابي”، اهتدى إلى فكرة اعتبرها عبقرية تستحق أن تُدرّس في معاهد التحايل السياسي.
لماذا يواجه منافسين أقوياء قد يحرجونه أمام الرأي العام؟
ولماذا يسمح لأسماء وازنة أو كفاءات حقيقية بدخول الحلبة الانتخابية؟
ولماذا يخاطر بمنافسة غير مضمونة النتائج، مادام بالإمكان التحكم في قواعد اللعبة منذ البداية؟
وهكذا تفتقت عبقريته الخارقة، عن خطة شيطانية بسيطة: الدفع في منتصف الطريق بأحد الأشخاص الضعفاء سياسياً ومادياً للترشح، ليس لأنه يملك مشروعاً أو رؤية أو قدرة على الإقناع، بل لأنه الحلقة الأضعف التي يسهل توجيهها والتحكم فيها.
والضعف هنا ليس ضعفاً في البنية الجسدية، فذلك أمر لا ينتقص من قيمة أحد، وإنما هو ضعف من نوع آخر؛ ضعف أمام رنين الأوراق النقدية، وانحناء سريع أمام الإغراءات، واستعداد مذهل لتبديل المواقف، كما تُبدَّل ربطات العنق. إنه ذلك النوع من الضعف الذي يجعل صاحبه مستعداً لتوقيع أي شيك، وترديد أي خطاب، ورفع أي شعار، ومهاجمة أي شخص أو مهادنة أي شخص، مقابل حفنة من المال الإضافي وتأجيل الدين المفضوح، إلى ما بعد الاستحقاقات التشريعية، وليمت الغائظون في غيظهم. إلى أن تنتهي المسرحية، ويُسدل الستار على فصل جديد من فصول العبث السياسي.
وصاحب الخطة يعلم جيداً أن المنافس الحقيقي، قد يطرح الأسئلة المزعجة التي يفضل البعض دفنها في الأرشيف، وقد يفتح الملفات المغلقة بإحكام، وقد يناقش الأرقام والوقائع بدل الاكتفاء بالشعارات، وقد يطالب بالمحاسبة بدل تبادل المجاملات. أما المنافس المصنوع على المقاس، فلن يُطلب منه أكثر من أداء دور الأرنب في سباق محسوم النتائج سلفاً؛ يركض قليلاً لإضفاء شيء من المصداقية على المشهد، ثم يترك الطريق سالكة للبطل المفترض، كي يقطع شريط الوصول وسط التصفيق والتقاط الصور التذكارية.
إنه أشبه بمباراة كرة قدم، يختار فيها أحد الفريقين بنفسه الحكم والمنافس والجمهور والنتيجة قبل انطلاق اللقاء، ثم يخرج بعد ذلك ليحدث الناس عن الديمقراطية والتنافس الشريف وتكافؤ الفرص.
والمثير للسخرية أن أصحاب هذه المناورات يرفعون في العلن شعارات النزاهة والشفافية والإصلاح، بينما يقضون جزءاً كبيراً من وقتهم في البحث عن الطرق الملتوية، لإفراغ العملية السياسية من معناها الحقيقي.
فبدل التنافس حول المشاريع، يصبح التنافس حول من يملك شبكة أكبر من السماسرة.
وبدل النقاش حول التنمية، يصبح النقاش حول عدد الولائم والولائم المضادة.
وبدل الحديث عن التشغيل والتعليم والصحة والنقل، يتحول الاهتمام إلى حساب عدد الأصوات الممكن شراؤها، وعدد الأشخاص القابلين للتأثير.
إنها سياسة مقلوبة رأساً على عقب.
فالسياسي الحقيقي، يبحث عن أفضل المنافسين ليبرهن على قوته، أما السياسي المرتبك، فيبحث عن أضعف المنافسين ليخفي ضعفه.
والسياسي الواثق من نفسه، يراهن على وعي المواطنين، أما السياسي الخائف فيراهن على جيبه.
والسياسي صاحب المشروع، يتمنى مناظرة خصومه، أما السياسي صاحب المناورات، فيتمنى اختفاء الخصوم من الأصل.
ولعل المأساة الكبرى، لا تكمن فقط في وجود مثل هذه الأساليب، بل في اعتقاد أصحابها أن المواطنين، لا يفهمون ما يجري حولهم، وأن الناس ما زالوا يبتلعون كل هذه المسرحيات المكشوفة.
لكن الواقع يقول إن المواطن قد يصمت أحياناً، وقد يراقب من بعيد، وقد يبدو غير مكترث، لكنه في كثير من الأحيان، يرى أكثر مما يتصور محترفو الخداع الانتخابي.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل السياسي، ليس وجود منافس قوي، بل وجود سياسي، يعتقد أن الديمقراطية مجرد لعبة؛ يمكن التحكم في نتائجها مسبقاً، وأن المواطنين مجرد كومبارس في مسرحية، كتب فصولها وحدد نهايتها سلفاً.
والمؤسف أن المحمدية، بما تزخر به من أطر وكفاءات وشباب قادر على تقديم الإضافة، لا تستحق أن تُختزل في مثل هذه الأساليب البالية، التي تنتمي إلى زمن كان فيه بعض الناس، يعتقدون أن المال قادر على شراء كل شيء.
فالمال قد يشتري ورقة انتخابية، لكنه لا يشتري الاحترام.
وقد يشتري تصفيقاً عابراً، لكنه لا يصنع مكانة حقيقية.
وقد يشتري صمت البعض لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع شراء ذاكرة مدينة بأكملها.




