الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المحمدية: المحكمة والخمارة… أي رسالة نوجهها للمواطن؟

ضربة قلم

في الوقت الذي تتواصل فيه الأشغال بوتيرة متسارعة، من أجل إخراج المحكمة الابتدائية الجديدة بالمحمدية، إلى حيز الوجود، باعتبارها واحداً من المشاريع المؤسساتية المهمة، التي يُفترض أن تعزز خدمات العدالة وتقرب القضاء من المواطنين، يبرز على مقربة من هذا الصرح المرتقب، معطى يثير الكثير من علامات الاستفهام، ويتعلق بوجود محل متخصص في بيع الخمور بمختلف أنواعها، لا تفصله عن المحكمة الجديدة سوى أمتار معدودة وخطوات محسوبة.

وقد لا يكون الأمر في نظر البعض سوى مشروع تجاري، حصل على التراخيص القانونية اللازمة في فترة سابقة، لكن القضية تتجاوز الجانب الإداري البحت لتلامس النقاش المرتبط بصورة المدينة، والانسجام المفترض بين طبيعة المرافق العمومية الكبرى ومحيطها المباشر.

فالمحكمة ليست بناية إدارية عادية، مثل غيرها من الإدارات. إنها رمز للعدالة وسيادة القانون وهيبة الدولة. وهي المكان الذي يلجأ إليه المواطن بحثاً عن الإنصاف، وفض النزاعات وحماية الحقوق والحريات. لذلك فإن اختيار محيطها العمراني والتجاري، يكتسي أهمية خاصة، ليس فقط من الناحية القانونية، بل كذلك من الناحية الرمزية والأخلاقية والاجتماعية.

مفارقة تطرح الأسئلة

المفارقة التي يتوقف عندها عدد من المتابعين للشأن المحلي بالمحمدية، تكمن في أن المدينة تستعد لاستقبال مقر قضائي حديث بمواصفات جديدة، بينما يوجد على مقربة منه، محل لبيع المشروبات الكحولية، تم الترخيص له خلال فترة العامل السابق الذي انتقل لاحقاً إلى إقليم خريبكة.

ولا يتعلق الأمر، بحسب ما يتداول محلياً، بحالة معزولة أو استثناء وحيد، إذ سبق أن أثيرت تساؤلات مماثلة، حول عدد من الرخص المرتبطة بهذا النشاط خلال المرحلة نفسها، وهو ما جعل الموضوع يعود إلى الواجهة ،من جديد مع اقتراب انتهاء أشغال المحكمة الجديدة.

والسؤال الذي يطرحه المواطن العادي بسيط للغاية: هل تمت دراسة الانعكاسات المستقبلية، لهذا الترخيص عندما تم منحه؟ وهل تم الأخذ بعين الاعتبار أن المنطقة، ستحتضن لاحقاً مؤسسة قضائية بهذا الحجم والأهمية؟

القانون شيء والحكمة في التدبير شيء آخر

قد يكون الترخيص بريئاً من كل قراءة محتملة، لكن التدبير الترابي لا يقوم فقط على النصوص الجامدة، بل كذلك على الرؤية الاستشرافية للمجال الحضري.

فكثير من القرارات قد تكون قانونية مائة في المائة، لكنها تظل محل نقاش، من حيث الملاءمة والانسجام مع طبيعة الفضاء الذي ستوجد فيه مستقبلاً.

وهنا تبرز أهمية التخطيط الحضري بعيد المدى، لأن المدن لا تُبنى لسنة أو سنتين، بل لعقود طويلة.

صورة المدينة على المحك

المحمدية مدينة تسعى منذ سنوات إلى تحسين بنيتها التحتية، وتطوير مرافقها العمومية، وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية.

ومع افتتاح المحكمة الجديدة، سيكون المكان وجهة يومية للمحامين والقضاة وكتاب الضبط والمرتفقين والمتقاضين والشهود والخبراء ومختلف المتدخلين في منظومة العدالة.

ومن الطبيعي أن يتساءل البعض عن الصورة التي سيعكسها، وجود نشاط من هذا النوع على بعد خطوات قليلة، من مؤسسة يفترض أن تجسد سلطة القانون وهيبة القضاء.

فالموضوع هنا لا يتعلق بالحلال والحرام، ولا بمواقف شخصية من استهلاك الخمور أو بيعها، بقدر ما يتعلق بالنقاش حول طبيعة التهيئة الحضرية والتناسق بين الوظائف المختلفة داخل المجال نفسه.

بين الاستثمار والمصلحة العامة

من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل حق المستثمرين في ممارسة أنشطتهم الاقتصادية، داخل الإطار القانوني.

فأي مشروع تجاري يحصل على ترخيص قانوني، يصبح له وضع قانوني يجب احترامه.

لكن في المقابل، يبقى من حق الرأي العام المحلي، أن يناقش الاختيارات العمرانية وأن يتساءل عن مدى انسجام بعض التراخيص مع التحولات التي تعرفها المدينة.

فالتنمية الحقيقية، لا تعني فقط منح الرخص، بل تعني أيضاً ضمان انسجام المشاريع، فيما بينها، حتى لا نجد أنفسنا أمام مفارقات تثير الاستغراب، أكثر مما تقدم الأجوبة.

أسئلة تنتظر التوضيح

مع اقتراب افتتاح المحكمة الابتدائية الجديدة، قد يكون من المفيد أن تخرج الجهات المعنية، بتوضيحات حول طبيعة هذه التراخيص وظروف منحها ومدى توافقها مع التصور العمراني الحالي للمنطقة.

فالمواطن، لا يبحث بالضرورة عن إلغاء مشروع أو معاقبة مستثمر، بقدر ما يبحث عن فهم الكيفية التي تُتخذ بها القرارات المتعلقة بتدبير المجال الحضري، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمرافق سيادية ومؤسسات عمومية كبرى.

في النهاية

قد يرى البعض أن الأمر مجرد صدفة عمرانية لا أكثر، وقد يعتبره آخرون دليلاً على غياب التنسيق بين بعض القرارات والتصورات المستقبلية للمدينة.

لكن المؤكد أن اقتراب انتهاء أشغال المحكمة الابتدائية الجديدة بالمحمدية، يعيد فتح نقاش مشروع حول العلاقة بين التخطيط الحضري والقرارات الإدارية وصورة المؤسسات العمومية داخل الفضاء المديني.

ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من سكان المحمدية:

هل كان من الحكمة أن يوجد محل لبيع الخمور على بعد خطوات قليلة، من مؤسسة قضائية يفترض أن تكون عنواناً للعدالة وهيبة الدولة، أم أن الأمر مجرد تفصيل عادي لا يستحق كل هذا الجدل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.