المحمدية: المدينة التي تدير نفسها… والمسؤولون يشاهدون

ضربة قلم
في المحمدية، لا تحتاج إلى بوصلة لتضيع، يكفيك أن تتبع أثر “التدبير المحلي” لتصل مباشرة إلى حيث لا شيء مكتمل. مدينة تطل على البحر، لكنها للأسف تُدار بعقلية البرّ الجاف، حيث الأمواج وحدها تتحرك، أما المشاريع فتفضّل الاستلقاء في وضعية “قيد الدراسة”.
رئيس المجلس الجماعي: حاضر في الصورة… غائب في التفاصيل
في هذه المدينة، المسؤولون ورئيس المجلس الجماعي لا يغيبون عن المناسبات، بل يتقنون فن الوقوف في الصف الأول، بابتسامة عريضة، ونظارات شمسية حتى في عزّ الغيوم. أما حين يتعلق الأمر بالحفر التي تبتلع السيارات، أو الأرصفة التي تصلح لكل شيء إلا للمشي، فهنا يدخل المسؤول في حالة “عدم التغطية”.
المحمدية لا تعاني من غياب المسؤولين، بل من فائض المسؤولية غير المستعملة. مناصب موجودة، توقيعات حاضرة، لكن الفعل؟ مؤجل إلى إشعار آخر… أو إلى ولاية انتخابية قادمة.
الطرقات: مختبر وطني لاختبار صبر المواطنين
الطرق في المحمدية، ليست مجرد بنية تحتية، بل تجربة روحية. حفرة هنا تُذكّرك بالماضي، وأخرى هناك تُحضّرك للمستقبل. إصلاحات تبدأ فجأة، وتنتهي فجأة، دون أن يعرف المواطن: هل هذا إصلاح؟ أم بروفة لإصلاح لم يولد بعد؟
أما الأشغال، فهي قصة أخرى: تُحفر الطريق، تُترك، تُعاد حفرها، وكأن هناك رهانًا خفيًا، على من يستطيع إنهاك المواطن أكثر. والنتيجة؟ مدينة تبدو وكأنها خضعت لعملية جراحية… دون طبيب مختص.
الفضاءات الخضراء: خضراء في الخطاب فقط
في الخطابات الرسمية، المحمدية مدينة خضراء، مستدامة، وصديقة للبيئة. في الواقع، الخضرة موسمية، تظهر في الصور الترويجية، ثم تختفي مع أول شمس حارقة أو أول إهمال إداري.
الأشجار تُغرس بلا متابعة، الحدائق تُفتتح بلا صيانة، وكأن المطلوب فقط هو “التدشين”، أما ما بعده، فمتروك لقدَر لا يعترف بالمسؤولية.
الساحل: نعمة طبيعية… بعقوبة تدبيرية
البحر في المحمدية كريم، يعطي بلا حساب. لكن التدبير المحلي، يعامله كضيف ثقيل. شواطئ جميلة، نعم، لكنها تُترك فريسة للعشوائية، الفوضى، وغياب التنظيم.
في الصيف، يصبح الشاطئ سوقًا مفتوحًا: مراحيض مغلقة، كراسي بلا ترخيص، ضجيج بلا رقيب، ونفايات تُراكم، وكأنها جزء من الديكور الطبيعي.
والسؤال البسيط الذي لا جواب له:
من يسهر فعليًا على هذا الساحل؟ أم أن البحر، كعادته، “يدبر راسو براسو”؟
الاقتصاد المحلي: وعود أكبر من القدرة على التنفيذ
الحديث عن الاستثمار في المحمدية، يشبه الحديث عن قطار سريع… لا يصل أبدًا. كل مسؤول يعد، وكل ولاية تُعلن عن “رؤية جديدة”، لكن الواقع يصرّ على رؤية واحدة: بطء، تعقيد، وبيروقراطية تخنق أي مبادرة قبل أن تتنفس.
المقاول الصغير يُطالب بالصبر، والشاب يُطالب بالأمل، لكن المسؤول لا يُطالب بشيء، سوى إعادة نفس الخطاب مع تغيير التاريخ.
المواطن: الحلقة الأضعف… والأكثر صبرًا
في كل هذا، يبقى المواطن المحمدي، هو البطل الحقيقي. يتعايش مع الحفر، يتأقلم مع الفوضى، ويبتسم ساخرًا، لأنه فهم اللعبة:
لا تنتظر الكثير، كي لا تُصاب بخيبة أمل كبيرة.
المواطن هنا لا يطلب المعجزات، فقط:
-
طرقات تُحترم فيها السيارة والراجل،
-
فضاءات عمومية تُحترم فيها الكرامة،
-
ومسؤولين يتذكرون أن مناصبهم ليست امتيازًا، بل أمانة.
خلاصة بطعم المرارة
المحمدية ليست مدينة فاشلة، بل مدينة مُجهَدة من سوء التدبير. مدينة تملك كل المؤهلات، لكنها تُدار بعقلية “دعها لتمضي”.
ولو كان الإهمال رياضة أولمبية، لحصدت المحمدية ميداليات… ليس بفضل مواطنيها، بل بفضل من يفترض، أنهم يسهرون على شؤونها.
ويبقى السؤال معلقًا، كحفرة في وسط الطريق:
متى تنتقل المحمدية من مدينة تُدار بالصدفة… إلى مدينة تُدار بالعقل؟




