ضربة قلم
منذ لحظة استرجاع الدولة لهذه الأراضي الفلاحية الكبرى، ومنذ أن وضعت تحت إدارة شركتي صوديا وسوجيطا، ظلّت بعض الشخصيات السياسية والإدارية، تستفيد بشكل شبه دائم من هذه الثروة العمومية. وعلى الرغم من أن القانون كان يحدد الاستفادة وفق معايير واضحة، تضمن الشفافية والخدمة العامة، إلا أن الواقع على الأرض، كان مختلفًا تمامًا. فقد سبق لعامل سابق في المحمدية أن استفاد من هكتارات بالجملة في منطقة تابعة لإقليم بنسليمان، في ظل استمرار المسؤول الإقليمي للشركة المذكورة آنذاك في التحكم في شؤون العمالتين، ما مكن العامل من الحصول على امتيازات كانت محصورة نظريًا ،في برامج الاستثمار الفلاحي الرسمي. ولم يختلف الوضع كثيرًا بالنسبة لنائب برلماني عن دائرة المحمدية، الذي استفاد من أراضٍ شاسعة بالقرب من المدرسة الفلاحية بتراب سيدي موسى المجدوب، في ما يمكن اعتباره امتدادًا لسياسة التفضيلات الشخصية والنفوذ السياسي، حيث تُمنح أراضٍ كانت بالأصل ملكًا للدولة والمجتمع لأفراد محددين، بعيدًا عن أي مساءلة حقيقية. هذا الواقع يكشف أن عملية إدارة الأراضي المسترجعة، لم تكن مجرد برنامج فلاحي اقتصادي، بل تحولت إلى أداة للاستفادة الفردية من النفوذ السياسي والإداري. فبينما يُفترض أن تكون هذه الأراضي وسيلة لتعزيز الإنتاج الفلاحي ودعم الفلاحين الصغار، انتهت إلى ملاذ دائم للمسؤولين والشخصيات النافذة، الذين ظلوا يستفيدون من الأراضي ذات الجودة العالية والمساحات الشاسعة، في ما يمثل ثغرة مؤسسية عميقة، تكشف هشاشة الرقابة والمحاسبة في تدبير ممتلكات الدولة. وهكذا، يُضاف مثال العامل السابق في المحمدية والنائب البرلماني عن دائرة المحمدية إلى سجل طويل من الحالا،ت التي تستمر فيها نفس الشخصيات في الاستفادة، ما يجعل ملف أراضي صوديا وصوجيطا نموذجًا صارخًا للتمييز بين القانون على الورق والواقع على الأرض، ويطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى البرامج الرسمية للتنمية الفلاحية، وأين تقف مصالح المواطنين العاديين في مواجهة النفوذ والامتيازات الخاصة.
وفي خضم هذا الواقع المعقد، يظل السؤال الجوهري معلقًا: من يدافع فعلًا عن حقوق الفلاحين؟
فبين مؤسسات يفترض أنها وُجدت لحماية الأرض والإنسان، وبرامج تُرفع شعاراتها باسم التنمية، يبقى الفلاح البسيط الحلقة الأضعف، يراقب من بعيد كيف تتحول الأراضي، التي كان يُفترض أن تكون مصدر عيشه وكرامته، إلى موضوع صفقات واستثمارات، لا تعود عليه إلا بالقليل، إن عاد أصلًا.
إن الدفاع الحقيقي عن الفلاحين لا يكون بالشعارات ولا بالبلاغات الرسمية، بل يمر عبر تفعيل صارم للمراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان شفافية حقيقية في تدبير الأراضي الجماعية والمسترجعة. كما يقتضي إعادة الاعتبار للفلاح الصغير، باعتباره العمود الفقري للعالم القروي، لا مجرد رقم هامشي في معادلات الاستثمار الكبرى.
وإلى أن تتحقق هذه المعادلة، سيظل السؤال قائمًا بإلحاح:
هل نحن أمام سياسات فلاحية تخدم الفلاح… أم أمام منظومة تُعيد توزيع الأرض على أساس النفوذ؟
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!