
ضربة قلم
العجيب في الأمر، أن البلاغ الحقوقي الصادر عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الذي تحدث عن “مدينة تُزيَّن بالزهور بينما الأرضية متشققة”، لم يكن يتحدث فقط عن حفلات عابرة أو منصة موسمية، بل كان يقرأ منطقًا كاملاً في تدبير الشأن المحلي: منطق الصورة قبل الجوهر، والإيقاع الاحتفالي قبل الإصلاح العميق.
لكن ما حدث بعد ذلك، جعل البلاغ يبدو وكأنه، لم يكن يبالغ إطلاقًا.
ففي الوقت الذي كانت فيه أحياء عديدة بالمحمدية، تئن تحت ثقل الحفر، والإنارة المهترئة، والاختلالات اليومية التي يعرفها السكان عن ظهر قلب، تحولت المنصة إلى فضاء استعراضي كامل، تُرفع فيه الأضواء، وتُضبط فيه الموسيقى، بينما كانت الفنانة المعروفة بأغنية: “حالفة حتى نعذبو… كما عذبني”، تغني في مشهد يكاد يلخص العلاقة المتوترة بين المواطن والمدينة نفسها.
الأكثر إثارة للسخرية، ليس الأغنية في حد ذاتها، بل الصورة السياسية التي كانت تُبث بالتوازي معها:
رئيس جماعة المحمدية، هشام أيت مانة، يرقص وسط الأضواء، بحماس انتخابي سابق لأوانه، وكأن المدينة تعيش عصرًا ذهبيا من الرفاه والخدمات، لا مرحلة يشتكي فيها المواطن من أبسط الحقوق المرتبطة بالعيش اليومي.
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية:
هل كانت المناسبة مهرجانًا للزهور… أم بروفة انتخابية ممولة، بشكل غير مباشر من المال الذي وُجد أصلًا لخدمة الساكنة؟
لأن الإشكال الحقيقي، ليس في الرقص، ولا في الغناء، ولا حتى في الفرح نفسه. فلا أحد يعادي الفن أو الاحتفال. لكن حين يتحول المال العمومي، أو الفضاء العمومي، أو المناسبة الجماعية، إلى خلفية، لصناعة صورة سياسية ناعمة، فهنا يصبح النقاش مشروعًا.
فالساكنة التي تنتظر إصلاح الأزقة، وتحسين النقل، ومعالجة البنيات المتآكلة، ترى في مثل هذه المشاهد نوعًا من الاستفزاز الرمزي:
مدينة تتزين فوق منصة… بينما التعب اليومي، ما زال يسكن خارجها.
والأخطر من ذلك، أن هذا النوع من المشاهد يخلق إحساسًا بأن بعض المنتخبين صاروا يتعاملون مع الجماعة كخشبة عروض دائمة:
مرة مهرجان،
مرة صور،
مرة رقص،
ومرة شعارات عن “التنمية”،
بينما المواطن البسيط، لا يرى من هذه التنمية سوى اللافتات والأضواء المؤقتة.
لهذا بدا بلاغ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمحمدية، وكأنه لم يكن يعترض على “الزهور”، بل على تحويل التجميل إلى سياسة.
فالمدينة لا تحتاج فقط إلى من يزين واجهتها أمام الكاميرات، بل إلى من ينزل فعلًا إلى الأزقة المنسية، والأحياء المتعبة، والبنيات التي لم تعد تتحمل المزيد من “المكياج المؤسساتي”.
وفي النهاية، تبقى المفارقة قاسية:
بينما كانت الأغنية تقول “حالفة حتى نعذبو”، كان كثير من سكان المحمدية ربما يرددون بصمت:
“راه العذاب الحقيقي… ماشي فالأغنية، بل فمدينة تتراقص فوق جراحها اليومية.”





Hello, your competitors are getting
customers from Google every day.
We help businesses rank higher,
generate more calls, and get real leads.
See Results: https://shorturl.at/v0VRn
Regards,