المحمدية تصير ذاكرة تمشي على قدمين… محمد رياض يكتب الطفولة من قلب «الزنقة 33»

ضربة قلم
في «الزنقة 33.. صور من أروقة الذاكرة» لا يكتفي المؤلف محمد رياض باستعادة طفولة شخصية، بل يجعل من المحمدية بطلةً حقيقيةً للنص؛ مدينةٌ تُروى كما لو كانت كائناً حيّاً، تتنفس عبر أزقتها، وتكبر داخل وجوه ناسها، وتحتفظ في تفاصيلها الصغيرة بسرّ البدايات الأولى. محمد رياض، أحد أبناء المحمدية البررة، والمشتغل في مجال التعليم الثانوي التأهيلي داخلها، يكتب بوعي المربي وحنين ابن الدار، فيمزج بين الدقة في التقاط التفاصيل والدفء في استعادتها.
ينطلق السرد من الزنقة 33، حيث تتفتح أولى الحكايات، وكأنها عتبة سرية للدخول إلى عالم كامل. هناك، تختلط الخطوات الأولى بضحكات الطفولة، وتتشكل علاقة حميمة بين الإنسان والمكان، علاقة لا تقوم على العبور بل على الإقامة في الوجدان. ساحة الحي بدورها تخرج من صمتها، لتتحول إلى مسرح يومي نابض، تُصنع فيه الصداقات وتُختبر فيه الخيبات الأولى، وتُكتب فيه دروس الحياة دون معلم.
الفرن التقليدي، برائحته الدافئة، لا يحضر فقط كمرفق بسيط، بل كقلب نابض للحي؛ مكان تُخبز فيه الأرغفة، كما تُخبز الحكايات، وتلتقي فيه الأجيال حول نار واحدة، تتقاسم الخبز والذاكرة. وفي الكتّاب، تتعالى أصوات الأطفال ببراءة ممزوجة بخشوع، فتتشكل أولى ملامح الوعي، حيث يلتقي المقدس بالعفوي في تناغم نادر.
ويمتد النص ليحتضن فضاءات أخرى من المحمدية: ملاعبها الشعبية التي كانت مختبراً للأحلام الصغيرة، قاعات السينما التي فتحت نوافذ الخيال على عوالم أوسع، وشاطئها الذي منح الطفولة دهشة لا تنسى أمام زرقة البحر واتساع الأفق. ثم هناك وادي المالح والحقول المحيطة، حيث الطبيعة في صفائها الأول، وحيث يتعلم الطفل -دون أن يدرك- أن الانتماء ليس فكرة مجردة، بل إحساس يُعاش في تفاصيل بسيطة.
بهذا الامتداد، لا يكتب «الزنقة 33» سيرة مكان فقط، بل يعيد بناء مدينة كاملة داخل الذاكرة، مدينة تتجاوز حدودها الجغرافية لتصير حالة شعورية. كل زاوية فيها تحمل أثراً، وكل ركن يختزن حكاية، حتى يبدو أن المحمدية نفسها، هي التي تكتب، لا من خلال الشوارع، بل عبر من عاشوا فيها وتركوا جزءاً من أرواحهم بين جدرانها.
إنه نص يوقظ الحنين، لكنه لا يغرق فيه؛ بل يحوله إلى طاقة استعادة، وإلى دعوة صامتة للعودة إلى الجذور، حيث كانت الأشياء أبسط… لكنها، ربما، كانت أكثر حقيقة.



