المحمدية تنجو حالياً من تعديل في تصميم التهيئة… فمن يقرر أين ترتفع ناطحات السحاب؟

ضربة قلم
ليست وثيقة تصميم التهيئة، مجرد خرائط تقنية تُودع في الرفوف، بل هي التي ترسم ملامح المدينة، لعقود قادمة: تحدد استعمالات الأراضي، عرض الطرق، مواقع التجهيزات، أين تُقام المدارس؟ أين تُفتح الطرق؟ وأين -وهذا هو السؤال الحساس- أين يمكن إضافة الطوابق؟ وأين تُقام ناطحات السحاب؟
فالعلو العمراني، ليس رقماً يُضاف في هامش تصميم، بل قرار يمس البنية التحتية، والضغط على الشبكات، وكثافة السير، والإنارة، وحتى الحق في الشمس والهواء. حين يُسمح بإضافة طوابق، فوق ما كان مقرراً، أو تُفتح مناطق لاحتضان ناطحات سحاب، فإن المدينة لا تكبر عمودياً فقط، بل تتغير اجتماعياً واقتصادياً وعقارياً.
أولاً: ضعف التأطير في الطعن… المسطرة أولاً
الإشكال الذي يتكرر في ملفات تصميم التهيئة، هو ضعف تأطير المواطنين في الطعن في القضايا الشكلية.
كثيرون يعترضون على إضافة الطوابق في حي معين، أو على الترخيص بعلو استثنائي، أو على إدراج منطقة، لاحتضان ناطحات سحاب، لكنهم يغفلون سؤال المسطرة:
-
هل تم احترام آجال البحث العلني؟
-
هل تم تعليق الإعلان فعلياً؟
-
هل أُدرجت التعرضات في تقرير مفصل؟
-
هل كانت المداولة معللة ومؤسسة قانوناً؟
في القانون الإداري، عيب الشكل، قد يكون أقوى من عيب الموضوع. وحين لا يُؤطر المواطن في هذا الباب، تضيع فرص الطعن المشروعة، وتتحول النقاشات إلى انطباعات، بدل دفوع قانونية دقيقة.
ثانياً: حين يُرفع العلوّ… ويغيب النقاش
قبل سنوات، عُرضت نقطة تتعلق بتصميم التهيئة، على المجلس الجماعي لمدينة المحمدية ضمن جدول الأعمال للمداولة والتصويت.
وثيقة تمس جوهر المدينة، بما في ذلك تحديد مناطق الارتفاعات، وإمكانية إضافة الطوابق، وضبط المجالات التي قد تُفتح أمام مشاريع بعلو كبير أو حتى ناطحات سحاب.
غير أن ما أثار الانتباه آنذاك، أن النقاش كان شبه منعدم، وصودق على النقطة بالإجماع.
لا مداخلات حول أثر الارتفاعات على البنيات التحتية،
لا تساؤلات حول قدرة الشبكات على تحمل كثافة إضافية،
لا نقاش حول هوية مدينة ساحلية، يُفترض أن تحافظ على توازنها العمراني.
فبدت المحمدية وكأنها وحدها من تغار على نفسها، بينما البقية يفهمها أصحاب الألباب.
والسؤال هنا ليس اتهاماً، بل مساءلة مشروعة:
هل يُعقل أن تمر وثيقة، تحدد سقف المدينة، دون نقاش عمومي حقيقي؟
هل يُناقش العلو، حين يُطلب الترخيص، أم حين يُرسم في التصميم؟
لأن الفرق كبير بين ترخيص فردي بإضافة طابق، وبين تعديل تصميم، يفتح الباب أمام مضاعفة الكثافة، ورفع السقف العمراني لسنوات طويلة.
ثالثاً: إضافة الطوابق… قرار تقني أم خيار سياسي؟
إضافة الطوابق ليست مسألة هندسية فحسب.
هي قرار ينعكس على:
-
عدد السكان في الحي
-
الضغط على المدارس والمراكز الصحية
-
اختناق السير
-
قدرة شبكات الماء والكهرباء والتطهير
-
القيمة العقارية للأراضي المجاورة
وحين تُدرج في تصميم التهيئة، إمكانية رفع العلو أو إدخال مناطق بارتفاعات كبيرة، فإن ذلك يصبح قاعدة عامة، لا استثناءً مؤقتاً.
أما الحديث عن ناطحات السحاب، فله أبعاد أخرى:
هوية بصرية، تأثير بيئي، ظل دائم على أحياء مجاورة، وتغيير شامل في طبيعة المجال. لذلك لا يمكن أن يُختزل في نقطة تُصادق بالإجماع دون تمحيص.
رابعاً: التجربة الحالية… قراءة هادئة
نقول هذا، ونحمد الله، أنه خلال التجربة الحالية لجماعة المحمدية لم يُعرض أي مشروع تصميم تهيئة، على المجلس الجماعي.
والبقية يفهمها الفاهمون.
فإن لم يُعرض تصميم، فمن أين تُستمد اختيارات العلو مستقبلاً؟
وإن كانت هناك تصورات، فلماذا لا تُناقش في إطار مؤسساتي واضح؟
الشفافية في وثائق التعمير ليست ترفاً، بل ضرورة، لأن المدينة لا تُبنى أفقياً فقط، بل تُبنى عمودياً أيضاً، وكل طابق يُضاف اليوم هو قرار يثقل كاهل الغد.
خلاصة
تصميم التهيئة هو الذي يقرر:
-
أين تبقى الأحياء منخفضة حفاظاً على طابعها
-
وأين يمكن إضافة الطوابق
-
وأين قد ترتفع ناطحات السحاب
وحين نتحدث عن ناطحات السحاب، نحن لا نتحدث عن مجرد أبراج مرتفعة، بل عن تأثيراتها على هوية المدينة، كثافة سكانها، وشبكاتها الأساسية. في تصميم التهيئة، تُحدد المناطق التي يمكن أن تحتضن ارتفاعات كبيرة، بما يشمل:
-
مراكز النشاط الاقتصادي حيث البنايات العالية تدعم الشركات والمكاتب.
-
المناطق المطلة على الواجهة البحرية التي قد تُفتح أمام استثمارات سياحية وتجارية، مع مراعاة المنظر العام.
-
المناطق الصناعية أو اللوجستية حيث ارتفاعات محدودة لخدمة التخزين والمصانع.
وفي كل هذه الحالات، يظل القرار مقيداً بالقوانين العمرانية، بحيث يُراعي البيئة، حركة المرور، والمساحات الخضراء، مع احترام حدود اللياقة: ألا تهيمن الأبراج على أحياء سكنية منخفضة، ولا تشوه هوية المدينة الساحلية.
بمعنى آخر، يمكن أن تظهر ناطحات السحاب، لكن ضمن إطار تخطيط منضبط ومتوازن يحافظ على جمالية المدينة ويوازن بين التنمية والبيئة الحضرية.
والمدينة التي لا تناقش سقفها، قد تجد نفسها يوماً، تعيش تحت ظلّ قرارات، لم تُسائلها في وقتها.




