مجتمع

المحمدية… حين اختنقت عاصمة الزهور تحت إسمنت الطوابق

ضربة قلم

من كان يظن أن المدينة التي كانت تُلقّب يومًا بـ“عاصمة الزهور” ستتحول إلى غابةٍ من العمارات الرمادية، بلا رائحة ولا ظل؟
المحمدية، تلك المدينة التي كانت تفوح منها رائحة الياسمين وتغتسل شوارعها كل صباح بندى البحر، صارت اليوم نموذجًا حضريًا على كيف يمكن للجمال أن يُدفن حيًّا تحت أكوام الإسمنت.

منذ سنوات، والزحفُ الإسمنتي يسير كوحشٍ لا يعرف الشبع، يلتهم كلَّ ما يعترض طريقه: غابةً هنا، فيلاتٍ هناك، بساتينَ خضرٍ في طريق البحر هنالك، ومساحاتٍ خضراء كانت متنفسًا… كلها سقطت تباعًا في فم الوحش.

ولأن الوحش لا يأكل وحده، فقد كانت على جانبيه أفواه مفتوحة، أفواه مسؤولة تعاقبت على تسيير المدينة، وبدل أن توقف الزحف، انخرطت في سباقٍ محموم للاستفادة منه: شقق مجانية، أراضٍ مشبوهة، وصفقات تُحاك في المكاتب المغلقة. الإسمنت لم يغطّ فقط جدران المدينة، بل غطّى أيضًا ضمائر من كان يفترض بهم حمايتها.

الغابات التي كانت تزين قلب المحمدية صارت اليوم ذكرى.
غابة “برانس” مثلًا، كانت يومًا مساحةً خضراء يقصدها المتنزهون والعشاق والعائلات، واليوم لم يبقَ منها سوى الاسم في ذاكرة المسنين. حتى “زنقة فاس” التي كانت تتباهى بصفوف الفيلات الهادئة، لم تنجو وصارت تعيش في خوفٍ دائم من أن يطرق باب ما تبقى منها يوماً “المستثمرون” الذين يملكون القدرة على تحويل أي حي إلى حقل عمارات بين عشية وضحاها.

المحمدية لم تعد مدينة للتنزه والرياضة كما كانت؛
كانت المدينة التي تحتضن الغولف الملكي، رمز الرقي والرياضات النخبوية، واليوم لو تُرك الخيار في يد بعض “أصحاب القرار”، لتحول الغولف إلى إقامة سكنية جديدة، يُعلن عنها في لوحات الإشهار الفاخرة: “مشروع الغولف ريزيدنس… على أنقاض آخر المساحات الخضراء.”

وما بين العمارات التي “تكاد تنطح السماء” على قول العامة، والسيارات التي تسدّ الشوارع كالشرايين المسدودة، اختنقت المدينة. لا مكان للزهور، لا مكان للتنفس، حتى البحر نفسه يبدو كأنه يهرب من الشاطئ كل مساء خجلاً مما يراه.

الغريب أن كل مسؤولٍ يمر من هنا، يترك بصمته… لكن ليست بصمة خضراء أو حضارية، بل بصمة إسمنتية جديدة تُضاف إلى خريطة التوسع العشوائي.
التخطيط العمراني في المحمدية لم يُبنَ على رؤية أو هندسة، بل على مبدأ “من يستفيد أكثر”. والنتيجة: مدينة فقدت هويتها، وسط ضجيج الرافعات وأوراق الرخص والصفقات.

المال في المحمدية لم يُعمِ الأبصار فحسب، بل دمّر الإحساس بالجمال. فيلات رحلت، غابات اندثرت، والهواء النقي صار ترفًا.
وكلما سألت أحدهم: “من المسؤول؟” أجابك بابتسامة باردة: “الكلّ”، وكأننا أمام جريمة جماعية بلا قاتل محدد.

لقد تحولت المحمدية من قصيدة زهورٍ وغاباتٍ إلى دفتر حساباتٍ وعقاراتٍ. مدينة كانت تُلهم الشعراء، صارت تلهم سماسرة الأراضي.
وما بين الماضي الأخضر والحاضر الرمادي، يظل السؤال معلقًا في هواء المدينة الخانق:
هل يمكن أن تزهر الورود من جديد فوق ركام الإسمنت؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.