الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المحمدية: حين تتحول الذاكرة إلى غنيمة… وحيّ السوق القديم يردّ: لن يُمسّ المتر!

ضربة قلم

في ذاكرة مدينة المحمدية، يقف حيّ السوق القديم أو “ديور المخازنية” بزنقة سوس، كأحد تلك الفصول التي لم تُكتب بعناية في دفاتر المؤرخين، لكنها ظلت تعيش في سلوك الناس، في لغة الشارع، وفي الإحساس الجماعي بالانتماء.
فمنطقةٌ كانت يوماً ما فضاءً للسوق الأسبوعي، حيث كان سكان المدينة يتواعدون كل أحدٍ على البيع والشراء وتبادل الأخبار، تحولت، بعد رحيل السوق سنة 1959، إلى ورش مفتوح لبناء حياة جديدة.

كان قرار ترحيل السوق نحو حيي مراكش والسعادة بالعالية بمثابة نقطة التحوّل الكبرى، إذ أُفرغت الأرض فجأة من ضجيج التجارة والفلاحة وامتلأت بأسئلة المستقبل: ماذا سيُبنى هنا؟ ولأجل من؟ وهل سيتحوّل المكان من نقطة عبور إلى نقطة استقرار؟
ولم يطل الانتظار كثيراً، فبعد سنتين فقط، انطلقت عمليات تشييد الدور، في محيطٍ تم تحديد حدوده بجدران واضحة، وكأن المدينة أرادت أن تحتفظ لنفسها بذاكرة مؤطرة، لا تضيع مع الزمن.

البناء بالإرادة قبل الإسمنت

تشكل الصفّ الأول للمساكن خلف سوق الجملة من جهد السكان أنفسهم، دون إمكانات مالية ولا مؤسسات داعمة، بل عبر ما كان متاحاً من “تكافل الفقر” و”عناد الحياة”.
أما باقي المنازل، فتكفلت ببنائها جماعة المحمدية، التي كانت آنذاك تعيش زمن “الدولة الاجتماعية” في بداياتها، حيث كانت الوظائف العمومية، والأجهزة الأمنية، والهيئات الترابية، تبحث عن استقرار إداري يوازي الاستقرار الاجتماعي.

سكن الحي عائلات تنتمي إلى أسرة القوات المساعدة، ذلك الجهاز الذي كان يشكل – في تلك العقود – جزءاً من هندسة الدولة الأمنية والاجتماعية معاً.
وكان البيت الواحد، بحجمه المتواضع وبـ”الأمتار المحسوبة على أصابع اليد”، يحتضن أحياناً أكثر من ثمانية أفراد. لكن العيش لم يكن مرتبطاً بالضيق، بقدر ما كان مرتبطاً بمشاركة الخبز والدمعة، وبثقافة البيت المفتوح للجيران، قبل أن تغيّر الحداثة أبواب البيوت وأبواب القلوب.

ثمانينيات التحول… حين بدأ الحلم يأخذ شكلاً

في طريق الشاطئ، ظهرت خلال اواخر السبعينات وبداية الثمانينيات منازل فاخرة نسبياً، استفاد منها ضابط صف في القوات المساعدة ورئيس قسم موظفي الجماعة وآخرون.
كان ذلك مؤشراً مبكراً على التحولات القادمة:

  • انتقال الفقر من جماعي إلى فردي

  • انتقال السكن من “ملاذ” إلى “امتياز”

  • وانتقال المدينة من منطق التكافل إلى منطق الفرز الاجتماعي

لكن سكان السوق القديم حافظوا على صمودهم أمام التفاوت، فهم الذين بنوا بيوتهم بـ”الكريدي”، وحوّلوا الإسمنت إلى “سردية مقاومة” لا إلى مجرد جدران.

حين يصبح الحيّ جامعة مفتوحة

لم يكن الحي مجرد تجمع سكني، بل كان مختبراً اجتماعيًا أنتج أطرًا في شتى الأسلاك الوظيفية:

  • التعليم

  • الأمن الوطني

  • الدرك الملكي

  • الإدارة العمومية

  • السياسة

بل وأنجب زعيماً حزبياً سابقاً، ورجالاً ونساءً صعدوا من الفقر إلى النخبة، من الحارة إلى المنصب، ومن الزقاق الضيق إلى الخارج الرحب.
وهنا تتجلى مفارقة المدينة المغربية: الفقر ليس نهاية، بل بداية مزعجة لأولئك الذين يصرون على الصعود.

كما هاجر عدد كبير من أبناء الحي إلى الولايات المتحدة وأوروبا، وكأنهم كانوا يمتلكون، منذ البداية، وعياً جماعياً بأن “السماء أوسع من السقف”، وأن القدر لا يكتب فقط لمن يرضى، بل لمن يحاول.

المأساة الحديثة… حين يصبح التاريخ عائقاً للاستثمار

في السنوات الأخيرة، انفجرت قضية حساسة تتعلق بالعقارات، وبمحاولة تفويت الأرض وإعادة تشكيل الحي على حساب ساكنيه.
لم يكن الأمر مجرد خلاف إداري، بل محاولة لطمس تاريخ كامل، وتشريد عائلات ناضلت، كدّرت الخبز بالعرق لا بالفضة.
والمثير أن المجلس الجماعي سبق أن صادق بصيغته القانونية على تفويت الدور للسكان، لكن “السومة” ظلت عالقة، وكأن الزمن نفسه قرر أن يبتز الناس بصمت.

الأطماع… والركض وراء السراب

لم يعد النزاع، في جوهره، نزاعاً حول ملكية، ولا حول تصميم عمراني، بل صار صراعاً بين فلسفتين:

  • فلسفة الإنسان الذي تعب ليبني بيتاً يؤويه

  • وفلسفة المصالح التي ترى في البيت رقمًا، وفي الأرض فرصة، وفي الناس عائقاً

هنا يظهر جيل جديد من “الركض وراء السراب”:

  • سراب المضاربات العقارية

  • سراب المشاريع التي تُبنى على أنقاض الذكريات

  • سراب الإثراء السريع الذي لا يتعايش مع ذاكرة الفقراء

فحين تتحول المدينة إلى بورصة، يصبح التاريخ مزعجاً، لأنه لا يباع، وتصبح العائلات عبئاً، لأنها ليست أرقاماً في جدول المناقصة.

الأطماع لا تكتفي بالأرض، بل تريد محو الحكاية، وتصفية الذاكرة، وإقناع الناس أن ما عاشوه لا قيمة له، إلا إذا صُرف في صندوق “الجماعة”.

خاتمة

حي السوق القديم ليس جدراناً باهتة ولا زقاقاً ضيقاً، بل شهادة على قدرة الناس على انتزاع الحياة من يد العدم.
هو حكاية عن الفقر الذي لم يكن مذلة، وعن التضامن الذي لم يكن شعاراً، وعن أبناء صعدوا من الأزقة إلى الجامعات، ومن العتمة إلى الضوء.

وإذا كانت الأطماع اليوم تحاول تحويل التاريخ إلى ورقة مالية، فإن الزمن نفسه يعرف  -أكثر من غيره – أن المدن التي تُبنى على جثث ذاكرتها، لا تعيش طويلاً، لأن من يركض وراء السراب، لن يجد غير السراب؛ ومهما حاول الطامعون أن يروا في هذا الحي “همزة عقارية” لا تُعوَّض، فإن من سابع المستحيلات أن يُمسّ متر واحد منه، لأن الجماعة بصفتها شخصية معنوية، كانت قد صادقت على تفويت الدور إلى ساكنيها، أحب من أحب وكره من كره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.