
ضربة قلم
تفصلنا أشهر قليلة فقط عن موعد الاستحقاقات التشريعية، لكن في مدينة مثل المحمدية، لا يُقاس الزمن السياسي بالتقويم، بل بحركة الجيوب وسرعة تبدّل الوجوه. هنا، لا أحد ينتظر صافرة الانطلاق الرسمية، لأن السباق يبدأ فعلياً حين تفوح أولى روائح “الورقة الزرقاء”، وتتحول المدينة، بصمت، إلى ورش مفتوح لإعادة توزيع الأدوار… لا لخدمة المواطن، بل لخدمة الحسابات.
في هذا الفضاء، تتقدّم الجيوب على البرامج، وتُسخَّن الكراسي قبل أن تُطرح الأسئلة، وتُحسم النوايا، قبل أن تُكتب الوعود. السياسة، في نسختها المحلية، لم تعد فنّ الممكن، بل أصبحت فنّ “التدبير المسبق للنتائج”، حيث يُشتغل في الكواليس أكثر مما يُقال على المنصات.
المحمدية، التي تُقدَّم في الخرائط كمدينة صغيرة هادئة، تحوّلت تدريجياً إلى مختبر حيّ لظواهر انتخابية هجينة. هنا، يختلط الاحتراف السياسي بالسمسرة دون حرج، ويتحوّل العمل الجمعوي من فضاء للتطوع إلى منصة تمهيدية للترشح، وتذوب الحدود بين الخدمة العامة والاستثمار الشخصي، كما يذوب السكر في كأس شاي ساخن… لكن بطعم مُرّ.
والأطرف في المشهد، أن بعض “المسارات المهنية” التي لم تكن تخطر على بال أحد، تحوّلت فجأة إلى ممرات سريعة نحو البرلمان، بلا إشارات مرور ولا رخصة كفاءة. فـ“بائع السيديات”، الذي كان إلى وقت قريب جزءاً من الاقتصاد غير المهيكل، لم يعد يكتفي بترويج الأقراص، بل أعاد توجيه نشاطه نحو “ترويج الصور”… صور المرشحين، وصور المناسبات، وصور “النية الحسنة”.
في منطق هذه المرحلة، لم يعد السؤال: ماذا تبيع؟
بل: لمن تبيع… وبكم؟
هكذا، يتحول الرجل بسلاسة مدهشة إلى “براح” عصري، لا ينادي في الأزقة، بل على الصفحات والهواتف، يعرض الخدمات حسب الطلب:
اليوم منشور تهنئة، غداً إعلان دعم، وبعده تعزية… كلها تُنشر بنفس الحماس، ونفس الصيغة، ونفس التسعيرة.
حتى الحزن، لم يسلم من منطق السوق.
التعزية نفسها أصبحت “خدمة رقمية”، تُكتب بالطلب، وتُوزّع حسب عدد المشاهدات، وكأن الألم بدوره يحتاج إلى دفع “واجب”.
وفي هذا السيرك الانتخابي المفتوح، لا أحد يسأل عن المبدأ، لأن المبدأ ببساطة… خارج التغطية.
هنا، لا يُطرح السؤال: ماذا ستقدّم للمدينة؟
بل يُطرح بصيغة أكثر واقعية: ماذا أعددتَ للانتخابات؟
وبين السؤالين… تضيع المحمدية.
مع اقتراب الانتخابات، نشهد هجرة جماعية من نوع خاص:
ليس من القرى إلى المدن، بل من المهن إلى السياسة.
مستثمرون، مقاولون، سماسرة، وجوه “جمعوية”، بل وحتى من كانوا بالأمس القريب يختفون عن الأنظار… كلهم اليوم يكتشفون فجأة أن لديهم “مشروعاً مجتمعياً”، وأن المحمدية لا يمكن أن تستمر بدونهم!
والأجمل في القصة، أن هذه “الصحوة السياسية” تأتي دائماً في نفس التوقيت:
قبل الانتخابات بقليل… وتختفي بعدها مباشرة، كما تختفي وعود تعبيد الطرقات، بعد أول قطرة مطر.
الجماعات… مسرح العمليات
عين حرودة، الشلالات، سيدي موسى بن علي، سيدي موسى المجدوب، بني يخلف… ليست مجرد جماعات ترابية، بل أصبحت أشبه بـ”دوائر نفوذ” تُدار فيها المعارك بصمت، أو أحياناً بمال لا يصدر صوتاً، لكنه يترك أثراً.
في هذه الرقعة، لا يتم الحديث عن البرامج أو الرؤى أو التنمية، بل عن:
- من يملك شبكة علاقات أوسع
- من يستطيع “إقناع” أكبر عدد من الناخبين
- من يملك القدرة على تمويل حملة لا تُرى… لكنها تُحَسّ
هنا، السياسة لا تُمارس كخدمة عمومية، بل كاستثمار قصير الأمد، بعائد مضمون: منصب، نفوذ، وربما “صفقات” مستقبلية.
الورقة الزرقاء… العملة الصعبة
في الكواليس، هناك حديث لا يقال علناً، لكنه معروف للجميع:
“الورقة الزرقاء” لم تعد مجرد ورقة تصويت، بل أصبحت عملة قائمة بذاتها.
اجتماعات تُعقد بعيداً عن الأعين، و”عشاق الديمقراطية” يُستقبلون بكرم حاتمي، ليس حباً فيهم، بل في ما يمثلونه: صوت قابل للبيع.
بل إن بعض السماسرة -ممن طافوا بجميع الألوان السياسية- أصبحوا محترفين في “تدبير الأصوات”، كأننا أمام سوق للأسهم، حيث تُحدد القيمة، حسب الحيّ، والولاء، والقدرة على الإقناع.
والغريب… أن الكل يعرف، الكل يتحدث، لكن لا أحد يتحرك.
عودة الوجوه… بلا ذاكرة
من بين أكثر المشاهد سريالية، عودة وجوه “عاثت في الأرض فساداً” كما يقال، لتبدأ حملة انتخابية جديدة، وكأن شيئاً لم يكن.
بل الأكثر إثارة… أن أحد هؤلاء، الذي ارتبط اسمه بتشريد عائلات وخراب مشاريع، يهيئ ابنه لدخول غمار الانتخابات، في مشهد أقرب إلى “توريث الفشل” بدل توريث التجربة.
هنا، يصبح السؤال مشروعاً:
هل الذاكرة الجماعية في المحمدية ضعيفة إلى هذا الحد؟
أم أن هناك من يراهن على أن المال قادر على محو الماضي؟
السلطات… الحاضرة الغائبة
في خضم كل هذا، تقف السلطات المحلية موقف المتفرج، أو هكذا يبدو.
كل شيء يجري على مرأى ومسمع الجميع:
- حملات سابقة لأوانها
- استمالة واضحة للناخبين
- تحركات مشبوهة في الأحياء
ومع ذلك… الصمت سيد الموقف.
ليس لأن الأمور غير معروفة، بل ربما لأن هذه المرحلة، تُعتبر “موسماً سياسياً خاصاً”، تُمنح فيه بعض المساحات، أو تُغضّ فيه بعض الأبصار… إلى حين.
الديمقراطية على الطريقة المحلية
في المحمدية، يبدو أن الديمقراطية تُمارس بنكهة محلية خاصة:
- البرامج تُكتب بعد الفوز، إن كُتبت أصلاً
- الوعود تُقال للاستهلاك السريع
- الناخب يُستدعى كل خمس سنوات… ثم يُنسى
أما التنمية، فهي دائماً “قادمة”… لكنها لا تصل.
إلى أين؟
المشكل ليس في وجود مرشحين كُثر، ولا في تعدد الطموحات، بل في طبيعة هذا الطموح:
هل هو طموح لخدمة المدينة؟
أم مجرد رغبة في اقتسام كعكة؟
المحمدية اليوم أمام مفترق طرق:
- إما أن تستمر كـ”سوق انتخابي” مفتوح، تُباع فيه الأصوات، وتُشترى فيه الذمم
- أو أن تستعيد وعيها، وتفرض منطقاً جديداً، حيث الكفاءة أهم من الشكارة، والمصداقية أقوى من الوعود
لكن هذا لن يحدث ببلاغ رسمي، ولا بخطاب موسمي…
بل بوعي جماعي يرفض أن يكون مجرد رقم في معادلة انتخابية.
الخلاصة الساخرة
في انتظار ذلك، ستظل المحمدية تعيش على إيقاع موسم انتخابي بطعم “سوق أحد”:
- هذا يعرض وعوداً
- ذاك يعرض خدمات
- وآخر يعرض نفسه كمنقذ… وهو بالأمس كان جزءاً من المشكلة
ويبقى المواطن… يتجول بين هذه “الأكشاك السياسية”، يتفرج، يساوم أحياناً، أو ينسحب في صمت.
ويبقى السؤال معلقاً:
هل ستبقى المحمدية مدينة تُدار بالعقل…
أم ستظل تُباع بالتقسيط كل خمس سنوات؟




