المحمدية: حين تصبح النظافة امتيازًا جغرافيًا… وليس حقًا للمواطن

ضربة قلم
فالذي يتجول في المحمدية، لن يحتاج إلى لجنة تفتيش أو مكتب دراسات، حتى يقيم الحصيلة. يكفي أن يمتلك عينين وأنفا. العين ترى أكوام الأزبال في عدد من الأحياء، والأنف يتكلف بالباقي.
الغريب أن الشركة، تبدو وكأنها لا تعتمد خريطة المدينة، بل تعتمد خريطة أخرى، لا يعلم تفاصيلها إلا أصحاب القرار المحلي. هناك أحياء تبدو وكأنها تعيش في مدينة أوروبية، تمر بها الشاحنات باستمرار، وتكنس أزقتها بانتظام، وتغسل حاوياتها، حتى يخيل للزائر أن النظافة هناك، تدخل ضمن التراث اللامادي. وعلى بعد أمتار فقط، تبدأ مدينة أخرى، بأزقتها المتعبة وحاوياتها الممتلئة وروائحها التي تستقبلك قبل أن تصل إليها.
خذوا، على سبيل المثال، حي السعادة بالعالية. الاسم ينسجم مع الواقع، فالنظافة هناك حاضرة بشكل يثير الانتباه. لكن ما إن تتحرك خطوات معدودة نحو درب مراكش، حتى تشعر وكأنك غادرت السعادة إلى منطقة خارج التغطية. هناك لا يجد السكان ما يستنجدون به إلا الصبر والدعاء، بعدما أصبحت الحاويات تفيض بما فيها، وكأنها تعلن العصيان المدني، ضد من أوكلت إليهم مهمة تدبيرها.
بل إن بعض السكان يرددون، بنبرة ساخرة، أن قمامتهم نفسها، قررت الهجرة نحو حي السعادة، لأنها أدركت أن فرص العيش الكريم هناك أفضل!
أما المنطقة القريبة من ملعب العالية بشارع الشرفاء، فله حكاية أخرى، حيث تحولت نقطة غير بعيدة عن المكان إلى مزبلة مكشوفة، ساهم في تكريسها، للأسف، بعض المكترين الذين يفتقرون إلى الحد الأدنى من حس المسؤولية، تجاه الحي الذي يعيشون فيه. فالمواطنة ليست عقد كراء، بل سلوك يومي، والنظافة ليست مسؤولية الشركة وحدها، بل مسؤولية الجميع. غير أن هذا لا يعفي الشركة من واجبها في التدخل السريع، لأن استمرار مثل هذه النقاط السوداء، يعني أن منظومة التتبع والمراقبة تعاني خللا واضحا.
والأكثر إثارة أن كثيرا من المواطنين، أصبحوا يعتقدون أن شاحنات النظافة لا تتحرك وفق برنامج تقني مضبوط، وإنما وفق “برنامج العلاقات العامة”. فإذا ارتفع صوت مسؤول، أو تدخل منتخب، أو جاء اتصال من جهة نافذة، تحركت الآليات بسرعة البرق، وكأنها في سباق للفورمولا واحد. أما إذا تعلق الأمر بمواطن عادي، فإن ملفه قد يحتاج إلى صبر أيوب.
وهذا، إن صح، يضرب مبدأ المساواة في الصميم، لأن خدمات النظافة لا ينبغي أن تخضع لمنطق الوساطة أو النفوذ، بل لمنطق الحاجة والأولوية والكثافة السكانية.
ومن الطريف المبكي أن بعض سكان المدينة، أصبحوا يتندرون قائلين إن الشركة تتوفر على نوعين من الخرائط: خريطة رسمية تعلق في المكاتب، وخريطة أخرى، لا يطلع عليها إلا أصحاب “التوصيات”. الأولى تشمل جميع الأحياء، والثانية تختار من يستحق أن يعيش وسط بيئة نظيفة!
وقد يذهب خيال البعض إلى أبعد من ذلك، فتنتشر في المقاهي والأحياء الشعبية تعليقات من قبيل: “لا بد أن الشركة تعرف من أين تؤكل الكتف”، أو “أكيد أنها تحسن تدبير علاقاتها أكثر، مما تحسن تدبير النفايات”. وهذه مجرد تعليقات متداولة بين المواطنين، لا تستند إلى أي وقائع أو أدلة، وتعكس فقط حجم فقدان الثقة، الذي يتولد عندما يشعر الناس بوجود تفاوت كبير في جودة الخدمات بين حي وآخر. ولو كانت الشركة حريصة على معاملة جميع الأحياء بالقدر نفسه من العناية، لما وجدت مثل هذه الإشاعات الساخرة تربة خصبة للنمو.
ففي غياب التواصل والشفافية، يزدهر التأويل، وتصبح النكتة بديلا عن المعلومة، والإشاعة بديلا عن البلاغ الرسمي.
لقد آن الأوان، لأن تدرك كل شركة تفوض إليها خدمة عمومية، أن العقد لا يوقع فقط مع الجماعة، بل يوقع أيضا مع ضمير المدينة. فالأحياء ليست درجات، والمواطنون ليسوا أصنافا، والنظافة ليست امتيازا يمنح لهذا الحي ويحجب عن ذاك.
ومع اقتراب نهاية العقد، يبقى السؤال الذي يطرحه سكان المحمدية بمرارة ممزوجة بالسخرية: هل سيتم تقييم الحصيلة انطلاقا من الواقع الذي يعيشه المواطن يوميا؟ أم سيتم الاكتفاء بتقارير مكتبية مصقولة، لا تشم رائحة الحاويات، ولا تمر عبر درب مراكش، ولا تتوقف عند بوابة ملعب العالية؟
فالمدينة، في النهاية، لا تحتاج إلى من يقنعها بأن الشوارع نظيفة، بل تحتاج إلى شوارع نظيفة فعلا. وبين الصورة التي تلتقطها الكاميرات، والرائحة التي يستنشقها المواطن، تبقى الحقيقة دائما أقرب إلى الأنف منها إلى البلاغات الرسمية.




