المحمدية… حين يتحول البحر إلى “ملك خاص” بمباركة سلطات محلية

ضربة قلم
لم يعد شاطئ المحمدية، رغم جاذبيته الطبيعية وقربه من الدار البيضاء، فضاءً عمومياً كما يفرض القانون. فقد جرى تحويل مساحات شاسعة من رماله إلى مقاهٍ ومطاعم وإقامات سكنية وبنايات إسمنتية تتحدى القوانين والأعراف، في مشهد يلخص قصة طويلة من الاستيلاء على الملك البحري تحت أعين السلطات المحلية التي تعاقبت على المنطقة واستفادت، بشكل مباشر أو غير مباشر. أما حملات “تحرير الملك العمومي” التي يُفترض أن تُطلق، فلا أثر لها، وحتى إن نُظمت لا تُغيّر من الواقع شيئاً، إذ إن هذا التحرير لا يبدو موجوداً في قاموس العمالة إلا عندما تفرض الغلبة نفسها. وهكذا تبقى أسئلة الشفافية والمحاسبة مطروحة بإلحاح: من يحمي حق المواطن البسيط في شاطئه؟
البحر ملك للجميع… لكن الواقع مختلف
الملك البحري في المغرب، كما ينص القانون، هو ملك عمومي لا يجوز تفويته أو تخصيصه إلا وفق مساطر دقيقة ومؤقتة. لكن في المحمدية، خرج النص عن معناه، فباتت أجزاء واسعة من الشاطئ محتلة بشكل شبه دائم. المبررات جاهزة: “توفير خدمات للمصطافين”، بينما الحقيقة أن الوضعية كرّست واقعاً يتيح الربح الخاص على حساب المصلحة العامة.
من عرف محلي إلى احتلال مقنَّن
لم تبدأ القصة بالمظلات والكراسي كما قد يظن البعض، بل بسخاء حاتمي في توزيع الامتيازات على شاطئ يُفترض أن يكون ملكاً عمومياً. مع مرور الوقت، شُيّدت فيلات وشاليهات ومنشآت إسمنتية فخمة على الرمال، بعضها بُني بسخاء أكبر من رمال الشاطئ نفسه، في مشهد يختزل كل معاني العبث. المستفيدون لم يكونوا غرباء، بل في الغالب أشخاصاً من المفروض فيهم حماية الملك البحري لا التفريط فيه. وما كان يُسوّق له في البداية كاستغلال موسمي أو “مشروع محلي” تحوّل إلى احتلال مقنَّن، محمي أحياناً بترخيص غامض وأحياناً بغطاء سلطوي. ومع غياب سجل واضح وشفاف للتراخيص، تلاشت الحدود بين المشروع وغير المشروع، ليجد المواطن البسيط نفسه محاصَراً بأسوار وبوابات لا تعلن عن نفسها، لكنها تصادر حقه في البحر.
سلطة غائبة… أم مستفيدة؟
إذا كان البعض يبرر استمرار الاحتلال البحري بتهاون السلطات أو ضعف الرقابة، فإن الوقائع على الأرض تكشف وجهاً أكثر خطورة: عدداً من رجال السلطة وأصدقائهم استفادوا بشكل مباشر من تشييد محلات فوق الملك البحري دون وجه حق. هؤلاء لم يكتفوا بغضّ الطرف عن الخروقات، بل تحوّلوا إلى طرف مستفيد منها، ما جعل أي محاولة للتحرير تصطدم بجدار المصالح المتشابكة. وهكذا، لم يعد الأمر مجرد احتلال غير قانوني، بل صار شبكة نفوذ متجذرة تستغل البحر كغنيمة خاصة بدل أن يكون فضاءً عمومياً مفتوحاً للجميع.
حملات تحرير… شكلية ومتقطعة
شهدت المدينة أكثر من حملة رسمية لإزالة المظاهر غير القانونية: حجز مظلات، هدم مآوي، تحرير أجزاء من الشاطئ. غير أن هذه الحملات ظلت متقطعة ومرتبطة غالباً بالمواسم الصيفية أو الضغط الإعلامي. سرعان ما تعود الكراسي والمقاهي إلى أماكنها، كأن شيئاً لم يحدث. هذا النمط “الموسمي” يعكس غياب إرادة حقيقية لوضع حد نهائي للظاهرة.
من يربح ومن يخسر؟
-
المستفيدون: أصحاب المقاهي والمطاعم، سماسرة محليون، وربما شبكات أكبر تستفيد من استمرار الوضع.
-
الخاسرون: المواطن البسيط الذي يُحرم من حقه الطبيعي في البحر، البيئة الساحلية التي تنهار بفعل التعمير العشوائي، والسياحة المنظمة التي تفقد مقوماتها أمام العشوائية.
انعكاسات بيئية واجتماعية
الأضرار لا تقف عند حرمان المواطنين من الشاطئ. البنية البيئية تتعرض للتآكل بفعل تثبيت المنشآت والمعدات الثقيلة، والمجتمع المحلي يعيش توتراً دائماً بين سكان رافضين وأصحاب مصالح متمسكين بمكاسبهم. أما اقتصاد المدينة، فيخسر فرصة تطوير سياحة مستدامة لصالح أرباح سريعة غير مضمونة ولا خاضعة للرقابة.
لماذا تستمر الظاهرة؟
-
غياب رؤية تنظيمية مستدامة لإدارة الشاطئ.
-
شبكات مصالح محلية تضغط لإدامة الوضع القائم.
-
تردد السلطات في تنفيذ قرارات الإزالة خوفاً من ردود فعل اجتماعية.
مقترحات للحل: بين القانون والمصلحة العامة
الخبراء والفاعلون المحليون يقترحون حلولاً عملية:
-
سجل رقمي مركزي يُظهر كل تراخيص الاستغلال.
-
خرائط علنية توضّح المساحات المحتلة.
-
لجان مراقبة دائمة تضم السلطات والجماعات والمجتمع المدني.
-
تنفيذ صارم لقرارات الهدم مع حلول بديلة للعاملين الصغار.
-
خطة سياحية مستدامة تحمي البيئة وتوفر فرص شغل قانونية.
خاتمة
المحمدية مدينة البحر والذاكرة، لكنها اليوم تواجه خطر فقدان هويتها البحرية لصالح منطق المصالح الضيقة. استعادة الشاطئ ليست فقط مسألة قانونية؛ إنها رهان على العدالة الاجتماعية، على البيئة، وعلى حق كل مواطن في فضاء عمومي نظيف ومفتوح. السؤال يظل معلقاً: هل تملك السلطات الشجاعة لتعيد البحر إلى أصحابه الحقيقيين؟




