
ضربة قلم
يحكي الراوي، وهو ممن تابعوا تفاصيل المشهد عن قرب، أن أحد الأعضاء الجماعيين بمدينة المحمدية، ذاك الذي صار اسمه داخل الأوساط المحلية، مرتبطا أكثر بالغياب منه بالحضور، وبالكرسي الذي ظل فارغا لمدة أطول من طويلة، أكثر من الموقف الواضح، اختار هذه المرة أن يظهر من بوابة المقبرة، لا من باب المجلس الجماعي، ولا من داخل الاجتماعات التي تُناقش فيها هموم المدينة، -وما أكثرها- واختناقاتها اليومية.
ظهر فجأة، متقدما الصفوف، ممسكا بالكلمة، موزعا نبرات التأثر، ومتقنا دور الواعظ الحزين، وكأن الرجل لم يكن هو نفسه الذي اختفى طويلا، حين كانت الملفات الثقيلة تُفتح، وحين كان المواطن ينتظر صوتا يدافع عنه لا وجها يظهر فقط أمام عدسات المناسبات.
ولأن بعض الوجوه السياسية، تعشق الحديث بلغة تبدو ممتلئة بالكلمات، لكنها فارغة من أي أثر حقيقي على أرض الواقع، فقد بدا المشهد بالنسبة لكثيرين، وكأنه إعادة تشغيل لنفس الأسطوانة القديمة: عبارات منمقة، وجمل مطاطية، ونبرة محسوبة بعناية، تُقال بإتقان أمام الناس، بينما الواقع داخل المؤسسات، يحكي قصة أخرى تماما، عنوانها الغياب الطويل حين يبدأ العمل الحقيقي.
ولأن المشهد كان صادما في رمزيته، فقد تساءل كثيرون، بصوت منخفض أحيانا، ومرتفع أحيانا أخرى:
كيف لبعض المنتخبين أن يصابوا فجأة “بفصاحة موسمية”، كلما تعلق الأمر بجنازة أو عزاء أو مناسبة تستدر التعاطف، بينما يختفون كالدخان، عندما يتعلق الأمر بحضور الدورات، أو مواجهة المسؤولية، أو الدفاع الحقيقي عن مصالح الناس؟
فالساكنة، يا سادة، لا تنتخب خطباء جنائز، ولا تبحث عن محترفي الكلمات الرطبة، بل عن رجال ونساء يتحملون المسؤولية حين تكون الكراسي ساخنة، والقرارات محرجة، والمدينة تختنق بالمشاكل.
أما تحويل المقابر إلى منصات لتلميع الصورة السياسية، واستغلال لحظات الحزن الجماعي، لترميم ما أفسدته سنوات الغياب، فهو سقوط أخلاقي قبل أن يكون سقوطا سياسيا. لأن الاحترام الحقيقي للناس لا يكون بإطالة كلمات الرثاء، بل باحترام أصواتهم، واحترام الثقة التي وضعوها في من يفترض أنه يمثلهم داخل المؤسسات.
ولعل ما يثير السخرية أكثر، أن بعض هؤلاء لا يظهرون إلا حين يكون التصفيق مضمونا، والكاميرات حاضرة، والمحاسبة مؤجلة.
أما حين تُطرح الأسئلة المحرجة، وتُفتح ملفات التسيير، وتحتاج المدينة إلى موقف شجاع، فإنهم يختفون بسرعة مذهلة، وكأنهم لم يسمعوا يوما باسم المحمدية أصلا.
لكن ما يبدو أن البعض لم يستوعبه بعد، هو أن ذاكرة الناس لم تعد قصيرة كما يتوهمون.
فالساكنة تراقب، وتقارن، وتحفظ جيدا من كان حاضرا حين كانت المدينة تحتاجه، ومن كان مجرد ظل موسمي يتنقل بين المناسبات بحثا عن صورة أو تصفيق عابر.
إن أخطر ما أصاب بعض الممارسة السياسية اليوم، هو هذا التحول المخيف:
من خدمة الشأن العام… إلى استعراض عاطفي،
ومن تحمل المسؤولية… إلى تمثيل موسمي رديء،
ومن العمل داخل المؤسسات… إلى البحث عن البطولة داخل الجنائز.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة، لكنها موجعة:
الكلمات المؤثرة قد تخدع البعض لدقائق،
أما المدن، فلا تحفظ في ذاكرتها إلا من خدمها فعلا،
لا من اكتشفها فجأة بين القبور… بعدما غاب عنها بين الملفات.




