المحمدية: ديور القراعي تُحرج حاضر الكرة.. صورة من زمن الوفاء

ضربة قلم
هذه الصورة تعود إلى مطلع سبعينيات القرن الماضي، وقد نشرها مشكورًا أحمد كوراي، على صفحته في الفيسبوك، فكانت بمثابة نافذة مشرعة على زمن مختلف… زمن كانت فيه كرة القدم أقرب إلى الحلم الجماعي منها إلى صناعة الأضواء.
نحن هنا أمام لقطة من ملعب العالية بمدينة المحمدية، في يوم كانت فيه مدرجاته الخشبية، تضج بحب اللعبة، وتتنفس أسماءً ستبقى عالقة في ذاكرة من عاصروا تلك المرحلة. كانت إحدى مباريات البطولة التي خاضها فريق شباب المحمدية، الفريق الذي صنع مجدًا كرويًا خاصًا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وكان مدرسة حقيقية في الانضباط والتكوين والهوية.
أحمد كوراي… وفاءٌ لنادٍ رغم نبض القلب
أحمد كوراي، ابن حي ديور القراعي، لم يكن مجرد لاعب عابر في سجل الكرة المحلية. كان مشروع لاعب كبير، تدرّب في صفوف شباب المحمدية، وتشرّب ثقافة الفريق وروحه. غير أن مساره أخذ منحى مختلفًا عندما كان يلعب مع نادي الميناء، النادي الذي كان آنذاك يوفر تحفيزات للاعبيه في صيغة شبه احترافية، وهو أمر لم يكن مألوفًا في تلك الفترة.
رغم حبه الكبير للفريق الشبابي، رفض كوراي التوقيع لشباب المحمدية، دفاعًا عن التزامه مع نادي الميناء. لم يكن القرار سهلاً، فالعاطفة كانت هناك، والانتماء حاضر، لكن الرجل اختار الوفاء لتعهداته، في زمن كانت الكلمة فيه عقدًا أخلاقيًا، قبل أن تكون توقيعًا على ورق.
ذلك الموقف يختزل روح جيلٍ كامل… جيل كان يعتبر الالتزام قيمة لا تُساوم.
من العالية إلى بلجيكا… مسار يتجاوز الحدود
لم تتوقف رحلة كوراي عند الملاعب المحلية. بعد سنوات، شدّ الرحال إلى بلجيكا، حيث لعب في بعض الأندية هناك، مكتسبًا تجربة أوروبية، في وقت لم يكن فيه احتراف اللاعبين المغاربة، خارج البلاد، أمرًا مألوفًا أو سهلاً.
ثم تحوّل إلى مجال التدريب، ناقلًا خبرته إلى أجيال أخرى، وكأن مسيرته، كانت دائرة مكتملة: لاعبٌ يزرع الحلم، ومدربٌ يسقيه.
تفاصيل الصورة… أسماءٌ محفورة في الذاكرة
الصورة تلتقط لحظة جماعية، لكنها في العمق تحكي قصص أفراد:
وقوفًا من الجهة اليمنى:
-
الشاب الأول (غير محسوب)
-
عليلو حدادي
-
أحمد كوراي
-
المرحوم بوسلهام
جلوسًا من اليمين إلى اليسار:
-
سعيد عسيلة
-
نور الدين حدادي
-
المرحوم بوشعيب برطاعي (الصولدة)
-
عبد الرحمان بناضض
-
عبد العالي بريك (المقيم حاليًا في كندا)
-
المرحوم مصطفى صبوط
ليست مجرد أسماء مصطفّة في صورة. إنها عناوين لقصص كفاح، وأصدقاء مدرجات، وذكريات تنقلتها الأجيال شفهيًا قبل أن تحفظها عدسات بسيطة بإمكانات متواضعة.
سبعينيات الكرة المغربية… سياق مرحلة
كانت بداية السبعينيات مرحلة انتقالية في كرة القدم المغربية. الاحتراف لم يكن قد أعد، لكن بوادر التنظيم بدأت تتشكل. الملاعب كانت مفتوحة على المدينة، والجمهور جزءًا من المشهد لا مستهلكًا له. اللاعبون يمارسون المهنة بشغف يتقاسمونه مع أعمال أخرى، والرواتب – إن وُجدت – كانت رمزية أو شبه رمزية.
ومع ذلك، كانت القيمة المعنوية، أعلى بكثير من العائد المادي. كان الانتماء هو الراتب الحقيقي.
ملعب العالية… أكثر من ساحة ترابية ومدرجات خشبية
لم يكن ملعب العالية مفروشًا بالعشب الأخضر، كما سيكون ملعب البشير لاحقا، ولم تكن مدرجاته إسمنتية شاهقة. كانت أرضيته ترابية قاسية، تُثير الغبار مع كل اندفاع نحو الكرة، وكانت مدرجاته خشبية بسيطة، تصدر صريرًا تحت وقع حماس الجمهور. ومع ذلك، كان المكان أكبر من مجرد فضاء رياضي.
هناك، فوق تلك الأرض الترابية، كانت تُصنع الأحلام.
وهناك، على تلك المقاعد الخشبية، كان الجمهور يعيش المباراة بكل جوارحه، بلا شاشات عملاقة ولا مكبرات حديثة.
ملعب العالية لم يكن ملعب رفاهية… بل كان ملعب هوية.
كان مسرحًا لعلاقات اجتماعية متينة، ومختبرًا للمواهب الصاعدة، ومنصةً لصناعة رموز محلية بقيت راسخة في ذاكرة المدينة.
من تلك الساحة المتواضعة، انطلقت أسماء، وتكوّنت صداقات، وتشكّل وعيٌ رياضي جماعي، ظلّ حاضرًا في وجدان المحمدية، رغم تغيّر الأزمنة.
الصورة إذن ليست توثيقًا لمباراة فقط، بل وثيقة اجتماعية وثقافية حيّة. شهادة على زمن، كانت فيه الكرة تُلعب فوق التراب، لكن قيمها كانت أنقى من العشب… وكانت مرآةً صادقة للمدينة، لا مجرد عرضٍ تلفزيوني عابر.
وفاء للراحلين… وامتداد للأحياء
بعض الأسماء غادرتنا إلى دار البقاء: مصطفى بوسلهام، بوشعيب برطاعي، مصطفى صبوط… لكن حضورهم في الصورة يجعلهم خالدين في ذاكرة المكان. أما من لا يزالون بيننا، سواء داخل الوطن أو خارجه، فهم امتداد حيّ لتلك المرحلة، يحملون في ذاكرتهم تفاصيل لا تلتقطها العدسات.




