المحمدية: عندما يشتكي “المشارك” إلى “الشريك”!

ضربة قلم
في السياسة، هناك مفارقات لا يستطيع حتى كبار كتاب الكوميديا أن يبتكروها. ومن أغربها أن يتقدم طرف بشكاية إلى الجهة نفسها التي يتهمها المواطنون في المحمدية خصوصا، منذ أسابيع، بأنها تتفرج على ما يجري أو توفر له الغطاء الإداري، ثم ينتظر منها أن تكون الخصم والحكم في آن واحد.
فجأة، اكتشف البعض أن هناك مهرجانات، تتحول إلى منصات انتخابية، وأن مسؤولين محليين يكثر ظهورهم إلى جانب مرشحين بعينهم، وأن الولائم أصبحت برنامجا انتخابيا غير معلن، وأن بطاقات التعريف الوطنية صارت، عند البعض، أهم من البرامج السياسية نفسها.
اكتشاف متأخر جدا… لكنه يظل اكتشافا.
السؤال الذي يفرض نفسه: أين كانت هذه اليقظة الديمقراطية في المحطات السابقة؟ وهل هذه الممارسات، وُلدت هذا الأسبوع؟ أم أنها أصبحت مزعجة فقط؟
الأكثر إثارة للاستغراب أن الرسالة تطلب من عامل العمالة التدخل لحماية نزاهة الانتخابات، بينما يتحدث الشارع، منذ مدة، عن ظهور مسؤولين ترابيين، – وعلى رأسهم المرسل إليه – إلى جانب بعض المرشحين في أنشطة مختلفة، بطريقة توحي، بالنسبة لكثير من المواطنين، بأن الإدارة، لم تعد تحافظ دائما على تلك المسافة المفترضة بينها وبين المتنافسين.
وهنا تبدأ الكوميديا السياسية.
أن تطلب من الجهة التي يتداول الناس بشأن قربها من بعض الفاعلين السياسيين، أن تحقق في هذا القرب، يشبه أن تطلب من حارس مرمى، أن يحتسب هدفا دخل شباكه، ثم ينتظر منك التصفيق على حياده.
الناخب المغربي لم يعد ساذجا، كما يعتقد البعض. فهو يرى الصور، ويتابع الفيديوهات، ويلاحظ من يحضر، ومن يغيب، ومن تُفتح له الأبواب، ومن تُغلق في وجهه، ثم يسمع بعد ذلك خطابات طويلة عن “تكافؤ الفرص”.
تكافؤ الفرص لا يصنعه البلاغ، بل تصنعه الممارسة.
ونزاهة الانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع، بل تبدأ منذ أول نشاط رسمي، وأول مهرجان، وأول صورة، وأول منصة، وأول مسؤول يقرر أن يحترم ذكاء المواطنين، ومبدأ تكافؤ الفرص.
أما إذا كانت الشكايات، ستظل ترفع إلى الجهات نفسها، التي يعتقد كثيرون أنها مطالبة أصلا بإثبات حيادها، فإن الأمر قد يتحول إلى مسرحية، يتبادل فيها الجميع الأدوار، بينما يبقى المواطن هو المتفرج الوحيد الذي اشترى التذكرة من جيبه.
المفارقة أن مثل هذا المشهد ليس جديدا. فهو يتكرر مع كل استحقاق انتخابي: تصريحات عن النزاهة، وشكايات عن الخروقات، ووعود بالتدخل، ثم تنتهي الحكاية، لتبدأ النسخة التالية بعد سنوات، وكأن الزمن السياسي عندنا، يعمل بزر “إعادة التشغيل”.
إن الديمقراطية لا تحتاج إلى رسائل بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات، تقف على المسافة نفسها من جميع المتنافسين، وإلى إدارة لا يضطر أحد إلى مطالبتها بالحياد، لأنها تمارسه تلقائيا، وإلى سلطة محلية، يكون حضورها ضمانة للثقة، لا سببا لإثارة الشكوك.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل المواطن يردد بسخرية: كلما اقترب موعد الانتخابات، كثرت الشكايات… لكن السؤال الذي لا يجرؤ أحد على الإجابة عنه هو: من يراقب المراقب؟




