المحمدية: عودة مشروع أم سباق نحو الكرسي؟ العطواني بين ثقل الإخفاق ورهان شبه مستحيل لإقناع الساكنة

ضربة قلم
المحمدية: من “المستحيل الممكن” إلى “الفيتو الصامت”… هل يكتب العطواني فصلاً جديدًا أم يقرأ آخر صفحة؟
في مدينةٍ اعتادت أن تستفيق على ضجيج البحر، لا تقلّ السياسة فيها صخبًا عن أمواج الأطلسي. المحمدية، التي تبدو هادئة على السطح، تخفي تحت جلدها حركية سياسية لا تهدأ، خاصة كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية. ومع العدّ العكسي للتشريعيات المقبلة، يعود إلى الواجهة سؤالٌ لا يخلو من إثارة: هل يتهيأ محمد العطواني لعودة سياسية جديدة، بعد ولاية خرج منها، كما يقول البعض، “بلا غنيمة” أو “حيص بيص”؟
لنكن واضحين منذ البداية: السياسة في المغرب، خصوصًا على المستوى المحلي، ليست خطًا مستقيمًا. هي أقرب إلى متاهة، أحيانًا تربح فيها دون أن تفوز، وأحيانًا تخسر رغم أنك لم تُهزم رسميًا. وفي هذا السياق، تبدو تجربة العطواني خلال الولاية الحالية مثالًا حيًا على هذا التعقيد… بل وعلى التحول السريع من صعودٍ غير متوقع إلى تراجعٍ صامت.
من “ثلاثة مقاعد” إلى قمة الجماعة… حكاية الصعود السريع
في مرحلة سابقة، كان اسم العطواني حاضرًا في مشهد المحمدية بطريقة أثارت الكثير من الانتباه. حزبه لم يظفر سوى بثلاثة مقاعد، رقمٌ بالكاد يسمح بالحضور، لكنه لا يفتح عادة أبواب القيادة. ومع ذلك، وبقدرة “سياسية” يصعب اختزالها في الحسابات التقليدية، تمكن الرجل من تسلق هرم الجماعة، ليصبح رئيسًا في سيناريو أقرب إلى “الهندسة الدقيقة” منه إلى مجرد نتيجة انتخابية.
لم يكن ذلك صدفة محضة، بل نتيجة شبكة تحالفات، وتقاطعات مصالح، وقراءة ذكية -أو جريئة- لتوازنات اللحظة. وهكذا، تحوّل الرقم الصغير إلى نفوذ كبير، ووجد العطواني نفسه في موقع لم يكن متوقعًا له.
ولم تتوقف الرحلة عند هذا الحد، إذ نجح لاحقًا في العبور نحو قبة البرلمان، ليجمع بين المحلي والوطني، في تجربة كان يُفترض أن تشكل نقطة تحول في مساره السياسي.
البرلمان: حضورٌ باهت أم عمل في الظل؟
لكن، وكما يحدث كثيرًا، فإن الصعود السريع يضع صاحبه أمام اختبار أصعب: ماذا بعد؟
التجربة البرلمانية للعطواني ظلت، في نظر كثيرين، دون التطلعات. لا حضور بارز في النقاشات الكبرى، ولا مبادرات لافتة تحمل اسم المحمدية إلى الواجهة الوطنية، ولا حصيلة واضحة يمكن تسويقها كمنجز سياسي يُعتد به. وربما هنا بالضبط بدأ المنحنى في الانخفاض، ليس بقرار مفاجئ، بل بتراكم “صمت سياسي” لم يخدم صاحبه.
لأن البرلمان، في النهاية، ليس مجرد لقب… بل امتحان دائم في الحضور والتأثير.
من النفوذ إلى العزلة… حين يتغير ميزان القوى
ومع بداية الولاية الحالية، تغيرت المعادلة بشكل لافت. الحزب الذي “نجح” انتخابيًا، أعاد ترتيب بيته الداخلي، وبرز منسق جديد حمل معه رؤية مختلفة، أو على الأقل أولويات مختلفة. وهنا، لم يعد العطواني في موقع القوة.
بل أكثر من ذلك، وجد نفسه خارج دائرة القرار، في مشهد يُوصف محليًا بأنه “كردع سياسي” واضح. لم يعد رئيسًا للجماعة، وسُحبت منه، حتى إمكانية رئاسة مجلس العمالة، وكأن الباب الذي فُتح له سابقًا، أُغلق هذه المرة بإحكام.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى المقعد البرلماني، الذي لم يعد إليه، منذ تلك التجربة الوحيدة، ليجد نفسه خارج المعادلتين: المحلية والوطنية.
إنها، بكل بساطة، لحظة انتقال من “مركز اللعبة” إلى هامشها.
“فيتو” غير مكتوب… لكنه فعّال
في كواليس المحمدية، لا يُقال كل شيء بصوت مرتفع. لكن ما يُفهم بين السطور أحيانًا أقوى من التصريحات. الحديث عن “فيتو” لم يعد مجرد إشاعة عابرة، بل تحول إلى تفسير شبه جماعي لما حدث.
“المنسق الجديد” الذي على بالكم، أعاد رسم الحدود، ووضع خطوطًا حمراء غير معلنة، كان العطواني أحد أبرز من شملتهم. وهكذا، تحولت التجربة من صعود لافت إلى تراجع قاسٍ… لكن بصمت.
في السياسة، ليست كل الهزائم انتخابية… بعضها يُحسم قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
الخروج “صفر اليدين”… أم استراحة محارب؟
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل خرج العطواني فعلاً “صفر اليدين”، أم أنه يعيش فقط، مرحلة كمون في انتظار فرصة جديدة؟
فهل نحن أمام نهاية مسار؟ أم مجرد فاصلة؟
بطاقة “برلماني”… بين الرمز والرهان
اليوم، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يعود الطموح القديم ليطفو من جديد: البرلمان.
لكن السؤال هذه المرة أكثر حدّة: هل يسعى العطواني إلى استعادة صفة “برلماني” والعودة كممثل أول للساكنة كرمزٍ للرجوع فقط؟ أم يحمل مشروعًا فعليًا يُقنع به ساكنة المحمدية؟
لأن المدينة لم تعد تقبل بالشعارات وحدها.
هناك ملفات حارقة:
- بنية تحتية تعاني
- سكن يثير الجدل
- بطالة تُقلق الشباب
- تدبير محلي يطرح أكثر من علامة استفهام
هذه ليست تفاصيل… بل اختبارات حقيقية لأي طموح سياسي.
المحمدية بين الذاكرة والتجريب
الناخب في المحمدية ليس بريئًا سياسيًا. هو يُجرب، نعم… لكنه لا ينسى.
يتذكر من صعد بسرعة، ويتساءل عن حصيلته، ويراقب من يعود، ويقارن بين الأمس واليوم.
وفي هذا السياق، فإن أي عودة للعطواني، لن تُقرأ كصفحة جديدة فقط، بل كامتداد لتجربة سابقة، لم تكتمل ملامحها.
معركة معقدة… وشروط جديدة
إن قرر الرجل الترشح، فسيواجه واقعًا مختلفًا تمامًا:
توازنات حزبية أكثر صرامة،
منافسة أقوى،
ناخب أكثر وعيًا،
وساحة رقمية لا ترحم.
لم يعد يكفي أن تكون “معروفًا”… بل يجب أن تكون “مقنعًا”.
بين الطموح والواقع… الخلاصة المؤجلة
في النهاية، يبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات.
العطواني يقف اليوم عند مفترق طرق:
إما أن يعود بمشروع واضح، وخطاب مختلف، وحضور قوي…
أو أن يظل مجرد اسم يُستحضر كلما ذُكرت تلك “القفزة السياسية” التي لم تُستثمر كما ينبغي.
في المحمدية، لا أحد يُمنح الفرصة إلى الأبد…
لكن لا أحد يُقصى نهائيًا أيضًا.
ويبقى السؤال معلقًا، كأمواج لا تهدأ:
هل يعود العطواني ليصنع الحدث… أم ليؤكد أن بعض الفرص، حين تضيع، لا تُستعاد بنفس الزخم؟




