الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

المحمدية قبل “الزلزال الانتخابي”: راقصون سياسيون، حكواتيون، وأرانب سباق تتهيأ للانقضاض على البرلمان!

ضربة قلم

ليست المحمدية مدينة عادية حتى تمر فيها الاستحقاقات الانتخابية، كما تمر في مدن أخرى. فهي مدينة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والرمزية الرياضية والعلاقات العائلية القديمة والنفوذ الانتخابي، لذلك يتحول أي اقتراب من موعد تشريعي إلى ما يشبه حمى سياسية مبكرة، تختلط فيها الطموحات بالحسابات، وتتحرك فيها الوجوه القديمة والجديدة كما لو أن الجميع استيقظ فجأة على إيقاع “السباق نحو البرلمان”.

ومن الواضح أن الاستعدادات للاستحقاقات التشريعية المقبلة، انطلقت قبل أوانها الفعلي، خاصة بعد أن بدا وكأن الضوء الأخضر أُعطي بشكل غير مباشر للأحزاب السياسية، من أجل تسويق مرشحيها داخل مختلف الأقاليم والعمالات. وشيئا فشيئا، بدأت ملامح الحملة غير المعلنة، تتسلل إلى المقاهي، واللقاءات الخاصة، وبعض الأنشطة الاجتماعية والرياضية، وحتى إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى فضاء للتلميح أكثر من التصريح.

في المحمدية، المدينة التي كبرت عمرانيا واختنقت اجتماعيا، ظهرت أولى المؤشرات عبر اسم قادم من خارج المغرب، اختار أن يدخل من بوابة الاستثمار والمشاريع الاقتصادية، قبل أن يقرر طرق باب السياسة بلون حزبي، يكاد يكون مجهولا لدى جزء واسع من الساكنة. وكأن الرسالة تقول إن السياسة لم تعد فقط مرتبطة بالأحزاب التاريخية أو الأسماء التقليدية، بل أصبحت مفتوحة حتى أمام من يعتقد أن المال والاستثمار يمكن أن يشكلا جسرا مختصرا نحو التمثيلية البرلمانية.

في المقابل، يواصل أحد الوجوه التي أتقنت لعبة “النضال الموسمي” التحرك بين أكثر من واجهة في الآن نفسه، مقدما نفسه تارة بلباس المدافع عن القضايا الاجتماعية، وتارة أخرى بصفة الباحث عن موقع سياسي جديد، في نموذج لـ”النضال المزدوج” الذي لا يسنده أي أثر حقيقي لعمل تطوعي ميداني أو مبادرات ملموسة وسط الساكنة، بقدر ما تحركه حسابات الانتهازية والرغبة الدائمة في البقاء قريبا من أي باب قد يفتح نحو البرلمان. فصاحبنا يبدو وكأنه يعتبر كل منصة فرصة للتموقع، وكل شعار سلما للصعود، حتى وإن فقدت الكلمات معناها من كثرة الاستعمال. غير أن جزءا واسعا من المتابعين أصبح يدرك أن النضال الحقيقي لا يُقاس بكثرة الخطب ولا بتبديل المواقع، بل بما يُترك من أثر صادق وسط الناس، وهو ما يجعل كثيرا من تلك الوجوه، تبدو اليوم كأنها تكرر نفسها خارج الزمن، بعدما انكشف الفرق بين من يخدم القضايا فعلا، ومن يستثمر فيها فقط في الكواليس وعندما تقترب الانتخابات.

كما أن بعض “المحترفين الانتخابيين” يواصلون الرهان على العالم القروي وشبه القروي المحيط بالمحمدية، انطلاقا من قناعة قديمة تعتبر أن الجماعات ذات الطابع القروي، أكثر قابلية للتأثير الانتخابي والحسابات التقليدية. غير أن التحولات الاجتماعية التي عرفتها المنطقة، وارتفاع منسوب الوعي لدى جزء من الناخبين، يجعلان من هذا الرهان محفوفا بالمخاطر، لأن “الجرة لا تسلم في كل مرة”، كما يقال.

ومن بين أكثر الأسماء إثارة للانتباه، يبرز رئيس الجماعة الحالي، الذي ترك فريق شباب المحمدية يغرق في أزماته، قبل أن يشد الرحال نحو رئاسة الوداد الرياضي، في خطوة اعتبرها كثيرون بحثا عن الأضواء والرمزية الجماهيرية وأشياء أخرى. غير أن الرجل، الذي وجد نفسه مؤخرا في مواجهة غضب جزء كبير من منخرطي الوداد ومحاولاتهم “كردعته”، عاد من جديد إلى أجواء الرقص السياسي، وكأن شيئا لم يقع، مستعدا لجولة انتخابية جديدة، هذه المرة بإيقاع مختلف، عنوانه: البقاء داخل المشهد مهما كانت الانتقادات.

وفي زاوية أخرى، يطل بعض “الحكواتيين السياسيين”، الذين ما يزالون يعتقدون أن الشعبوية، قادرة وحدها على فتح الطريق نحو البرلمان، عبر لغة بسيطة، وصوت مرتفع، وكلمات تشبه عروض الساحات العمومية، أكثر مما تشبه النقاش والانتقاد السياسي الرصين. هؤلاء يراهنون على العاطفة، وعلى الغضب الشعبي، وعلى قابلية جزء من الناخبين لتصديق كل من يصرخ أكثر.

كما لا تخلو الساحة من أولئك الذين يعتقدون أن الحظ حليف دائم، وأن مجرد الظهور في بعض المجالس أو المناسبات كاف لصناعة “مرشح محتمل”، فيسربون أخبار ترشيحاتهم داخل الدوائر الضيقة، مترقبين لحظة الإعلان الرسمي، بينما يتحرك آخرون في صمت، مثل أرانب سباق تعرف أن الانطلاقة الحقيقية لم تبدأ بعد.

لكن وسط هذا الزحام، يظل السؤال الحقيقي أعمق من الأسماء والألوان والتحالفات: ماذا تريد المحمدية فعلا؟ وهل تحتاج المدينة إلى برلمانيين جدد فقط، أم إلى رؤية جديدة تعيد الاعتبار لمدينة، أنهكها التوسع العمراني، وتراجعت فيها جودة الخدمات، وضاعت بين التلوث والبطالة وفوضى التسيير وتراجع الفضاءات العمومية؟

فالمحمدية اليوم ليست فقط مدينة انتخابية، بل مدينة تكبر بسرعة وتطرح أسئلة أكبر من الشعارات الانتخابية المعتادة. مدينة تحتاج إلى من يفهم تحولات شبابها، واختناق أحيائها، وأزمات النقل والتشغيل والسكن، لا إلى من يرى في البرلمان مجرد كرسي، أو امتداد لنفوذ شخصي أو رياضي أو مالي.

وفي انتظار أن تتضح الصورة أكثر خلال الأشهر المقبلة، يبقى الأمل معلقا على وعي الساكنة، وعلى قدرة الناخبين هذه المرة على التمييز بين من يبحث عن خدمة المدينة، ومن يبحث فقط عن خدمة مستقبله السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.