المحمدية: لا عامل ولا رئيس جماعة.. فمن يُطفئ هذا الظلام ويُعيد للمدينة هيبتها؟

ضربة قلم
هناك عبارة فرنسية بسيطة تقول: «Un détail de taille»، ويمكن ترجمتها إلى العربية بـ: “تفصيل صغير في شكله، كبير في مضمونه” أو “هناك جزئيات تحمل في طياتها أموراً كبيرة.”
نعم، قد يعتقد البعض أن الحديث عن ثلاثة أضواء للتشوير الضوئي معطلة، لا يستحق كل هذا الاهتمام. وقد يقول آخرون: “الدنيا فيها مشاكل أكبر، والناس تتحدثون عن إشارات المرور!”. لكن الحقيقة أن الأمم، لا تُقاس فقط بمشاريعها العملاقة، ولا بعدد العمارات الشاهقة التي تبنيها، بل تُقاس أيضاً بقدرتها على تدبير “التفاصيل الصغيرة” التي تصنع الفرق بين مدينة تحترم مواطنيها ومدينة، تُترك فيها الأمور للصدفة.
في مدينة المحمدية، وبالضبط قرب مقر مطاحن المغرب بشارع الحسن الثاني، تقف ثلاثة أضواء للتشوير الضوئي منذ خمسة أشهر كاملة وهي في حالة عطالة، وكأنها مجرد أعمدة إسمنتية لا وظيفة لها ولا قيمة.
خمسة أشهر!
أي ما يعادل قرابة مائة وخمسين يوماً من الفوضى المرورية، ومئات الساعات من الارتباك، وآلاف السيارات التي تعبر هذا المحور الحيوي يومياً دون أي تنظيم يذكر.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أين السلطة المحلية؟ وأين الجماعة؟
هل يحتاج إصلاح ثلاثة أضواء للتشوير إلى دراسة تقنية تمتد لسنوات؟ أم إلى قرض من البنك الدولي؟ أم إلى مناظرة وطنية حول مستقبل الإشارات الضوئية بالمغرب؟
أم أن الأمر ببساطة يدخل ضمن خانة “ليس من أولوياتنا”؟
إن الغريب في الأمر، أن هذه الأعطاب ليست خفية عن الأنظار. فهي توجد في قلب المدينة وعلى أحد أهم شوارعها، وتعبره يومياً سيارات المسؤولين والمنتخبين والموظفين والمواطنين. الجميع يمر من هناك، الجميع يرى الفوضى، لكن لا أحد يتحرك.
وكأن المدينة، أصبحت تعيش حالة من التطبيع مع الأعطاب.
تطبيع مع الحفر.
تطبيع مع الأزبال.
تطبيع مع الإنارة المعطلة.
وتطبيع حتى مع غياب المسؤولية.
إن الإشارات الضوئية، ليست مجرد مصابيح ملونة. إنها رمز للنظام واحترام القانون وحماية الأرواح.
عندما تتوقف الإشارات الضوئية عن العمل، ويتوقف معها إحساس المسؤول بالمسؤولية، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن تكون خطيرة جداً: افعل ما تشاء، فالقانون في إجازة.
ولهذا تحولت حركة المرور في هذا المقطع، إلى فوضى نهاراً جهاراً، حيث أصبح السائقون، يجتهدون في تحديد من له الأسبقية، بينما يغامر الراجلون بحياتهم لعبور الطريق.
وقد لا يمر يوم دون مناوشات كلامية بين السائقين، أو احتكاكات، أو حوادث كادت أن تقع.
والمؤسف أكثر أن الأمن العمومي، لم يتجشم، على الأقل في هذا الموقع الحساس، وضع شرطي أو اثنين لتنظيم حركة المرور إلى حين إصلاح هذه الإشارات.
قد تكون هناك مراسلات ومخاطبات إدارية بين مختلف الجهات، وقد تكون هناك ملفات، تنتقل من مكتب إلى آخر، لكن المواطن لا يهمه كل ذلك.
المواطن يريد أن يمر بأمان.
يريد أن يشعر أن هناك دولة تسهر على راحته.
يريد أن يرى مسؤولاً يغضب عندما يرى الخلل.
لأن الوطنية ليست فقط رفع الأعلام في المناسبات، ولا إلقاء الخطب الرنانة، ولا نشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي.
الوطنية تبدأ من إصلاح مصباح معطل.
الوطنية هي أن ترى خطراً يهدد المواطنين، فتسارع إلى إزالته.
الوطنية هي أن تقلق عندما تتعطل مصلحة عامة.
الوطنية هي أن تشعر بأن كل حجر في المدينة، أمانة في عنقك.
أما المواطنة، فهي أيضاً ليست مجرد أداء الضرائب، أو المشاركة في الانتخابات.
المواطنة هي أن نرفض الاعتياد على الفوضى.
أن نرفض أن تصبح الأعطاب جزءاً من المشهد اليومي.
أن نرفض أن تتحول مدينتنا، إلى فضاء يعيش على منطق “حتى يوقع شي مشكل عاد يتحرك المسؤولون”.
فكم من كارثة، كان يمكن تفاديها لو تحرك المسؤول في الوقت المناسب؟
وكم من حادثة وقعت، لأن الجميع اعتقد أن الأمر مجرد “تفصيل صغير”؟
التاريخ الإداري للمدن، لا يكتبه فقط أصحاب المشاريع الكبرى، بل يكتبه أيضاً أولئك الذين اهتموا بالتفاصيل الصغيرة، لأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع جودة الحياة.
مدينة المحمدية، التي كانت تسمى يوماً “الحاضرة السعيدة”، لا تستحق هذا الإهمال.
تستحق مسؤولين يغارون عليها.
تستحق مسؤولين لا يمرون بجانب الخلل وكأنه أمر عادي.
تستحق مسؤولين يدركون أن المدينة، ليست بنايات وإسمنتاً فقط، وليست علاقات مشبوهة مع “المنعشين العقاريين”، بل هي شعور يومي بالأمان والنظام والجمال.
اليوم، يبدو المشهد، وكأن المحمدية أصبحت بالفعل “بلا موالين”.
مدينة تنتظر من يلتفت إلى تفاصيلها الصغيرة، قبل أن تتحول إلى مشاكل كبيرة.
مدينة تسأل:
من سيعيد تشغيل هذه الإشارات؟
ومن سيعيد تشغيل حس المسؤولية أيضاً؟
ومن سيعيد إلى المحمدية، ذلك الشعور الجميل، بأن هناك من يغار عليها حقاً… لا بالكلام، بل بالفعل؟




