الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المحمدية… ليست المدينة التي تغيّرت، بل نحن!

م-ص

في المغرب…

لا تزال الشمس تشرق كل صباح، على جبال الأطلس، وتعانق زرقة المتوسط، وتغسل أمواج الأطلسي، ثم تمر بهدوء على المدن والقرى، كأنها تقول لنا كل يوم: “ما زال في العمر متسع للأمل.”

لكننا…

صرنا نركض أسرع من الشمس.

نركض حتى نسينا لماذا بدأنا الركض.

في المحمدية…

تلك المدينة التي كانت تُلقب بعاصمة الزهور، لم تكن الزهور وحدها تزين شوارعها، بل كانت الوجوه أيضًا أكثر إشراقًا.

كان البحر، يعرف أسماء الصيادين.

وكان الرصيف، يعرف خطوات العائدين من المعامل.

وكان الجار، يعرف متى يمرض جاره، دون أن يخبره تطبيق على الهاتف.

أما اليوم…

فالبحر هو نفسه…

لكن الذين يقفون أمامه تغيروا.

ينظرون إليه بعين…

وإلى هواتفهم بالعين الأخرى.

في المغرب كله…

صرنا نملك كل وسائل التواصل…

لكننا، أصبحنا أقل تواصلاً.

نجلس في البيت نفسه…

وكل واحد يعيش في عالم آخر.

الأب يتصفح الأخبار…

والأم تتابع وصفة جديدة…

والابن يطارد لعبة إلكترونية…

والبنت تبحث عن صورة مثالية.

أما المائدة…

فأصبحت تنتظر حديثًا، لم يعد يأتي.

كانت المقاهي يومًا مكانًا للحوار.

اليوم…

قد يجلس أربعة أصدقاء حول الطاولة نفسها، لكن كل واحد يحاور شاشة هاتفه.

الصمت لم يعد راحة…

بل أصبح لغة جديدة.

المغرب بلد الحكايات.

كل حجر فيه يروي قصة.

وكل مدينة تحمل ذاكرة.

من طنجة إلى الكويرة…

ومن وجدة إلى الصويرة…

ومن المحمدية، التي كانت تتنفس على إيقاع البحر، إلى القرى الصغيرة، التي ما زالت تحفظ رائحة الخبز الساخن في الصباح…

هناك وطن كامل، يحاول أن يوازن بين أصالته وسرعة هذا العصر.

لكن المشكلة، ليست في التكنولوجيا.

ولا في الهواتف.

ولا في الإنترنت.

المشكلة…

أننا سمحنا للأشياء أن تسرق منا الوقت، دون أن نشعر.

صرنا نلتقط آلاف الصور…

لكننا لم نعد نحفظ اللحظات.

نصور الغروب…

ولا نتأمله.

نسجل صوت المطر…

ولا نصغي إليه.

نصور البحر…

ولا نسمع حديث أمواجه.

وكأن العدسة أصبحت ترى أكثر من القلب.

في المحمدية…

قد تجلس مساءً أمام البحر.

ترى الغروب، كما كان منذ مئات السنين.

اللون البرتقالي نفسه.

والنسيم نفسه.

ورائحة الملح نفسها.

لكن الإنسان…

لم يعد هو الإنسان.

أصبح يحمل همومًا أكثر…

ووقتًا أقل…

وصبرًا أقل…

وابتسامة مؤجلة إلى إشعار آخر.

ومع ذلك…

لا يزال المغرب جميلًا.

ليس لأنه بلا مشاكل.

ولكن، لأنه كلما ظن الناس أن التعب انتصر…

خرج طفل، يضحك في زقاق قديم.

أو عجوز، يسقي شجرة أمام بيته.

أو أم ،تدعو لابنها عند الفجر.

أو صياد، يعود من البحر، وهو يحمد الله على رزقه.

هؤلاء…

هم الذين يحفظون لهذا الوطن نبضه.

ليت الزمن يتوقف قليلًا…

لا لنعود إلى الماضي…

بل لنستعيد أنفسنا.

ليت سكان المحمدية، يعودون إلى البحر لا لالتقاط صورة، بل ليستمعوا إلى هدير الموج.

وليت سكان المغرب جميعًا، يتذكرون أن أجمل الأشياء في الحياة لا تُشترى، ولا تُنشر، ولا تُقاس بعدد الإعجابات.

إنها تُعاش…

بهدوء.

بقلب حاضر.

وبعين ترى الإنسان، قبل الشاشة.

فالوطن…

ليس الطرقات وحدها.

ولا العمارات الشاهقة.

ولا الأضواء التي تلمع في الليل.

الوطن هو ذلك الشعور الذي يجعلك، مهما ابتعدت، تشتاق إلى رائحة الخبز في الصباح، وإلى صوت المؤذن عند الغروب، وإلى نسيم البحر في المحمدية، وإلى ابتسامة مغربي بسيط يقول لك من قلبه:

“الله يسهل عليك.”

وربما…

في زمنٍ أصبح فيه كل شيء سريعًا…

سيبقى المغرب جميلًا، ليس لأنه سبق الآخرين، بل لأنه ما زال يحتفظ، في زواياه الهادئة، بأناس يؤمنون أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن المحبة لا تحتاج إلى شبكة، وأن الوطن يبدأ من إنسان… يعرف كيف يزرع الأمل، حتى عندما يبدو كل شيء حوله، يركض في الاتجاه المعاكس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.