الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعالشأن المحلي

المحمدية ليست بقرة حلوب… والعبث بجمال المدينة خط أحمر

ضربة قلم

ليست المحمدية مجرد بقعة عقارية تُباع بالمتر المربع، ولا مجرد خرائط تُرسم فوق المكاتب، ولا فرصة ذهبية للمضاربين الباحثين عن المزيد من الأرباح. إنها مدينة لها تاريخ، وهوية، وذاكرة جماعية، وساكنة دفعت على امتداد سنوات طويلة ثمن أخطاء عمرانية لا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الوكالة الحضرية للدار البيضاء أن مشروع تصميم التهيئة الخاص بجماعة المحمدية ما يزال ضمن المشاريع المحالة على اللجنة التقنية المحلية (CTL)، أي في مرحلة الدراسة التقنية، قبل المرور إلى مرحلة الإيداع الرسمي والبحث العلني، فإن هذه المرحلة تفرض أعلى درجات اليقظة والمسؤولية، لأنها تمثل لحظة حاسمة في رسم مستقبل المدينة لعقود قادمة.

إن تصميم التهيئة ليس مجرد وثيقة إدارية، بل هو عقد بين المدينة وسكانها، يحدد شكل الأحياء، وارتفاع البنايات، والمساحات الخضراء، والمرافق العمومية، والطرقات، وكل ما يتعلق بجودة الحياة. ولذلك، فإن أي انحراف عن فلسفة التنمية المتوازنة، أو أي رضوخ لضغوط المال والعقار، ستكون له كلفة باهظة سيدفعها المواطن وحده.

لقد تحولت المحمدية، خلال السنوات الماضية، إلى قبلة للاستثمارات العقارية، وهو أمر إيجابي عندما يحترم القانون والمصلحة العامة، لكنه يصبح مصدر قلق عندما تتحول المدينة إلى سوق مفتوحة للمضاربة، وإلى فضاء تُغلب فيه الحسابات المالية الضيقة على الاعتبارات البيئية والاجتماعية والعمرانية.

فليست التنمية هي أن ترتفع الأبراج في كل مكان، وليست الحداثة أن تختفي الحدائق، وتختنق الشوارع، وتختفي أشعة الشمس بين كتل إسمنتية شاهقة، بينما تتراجع جودة العيش يوما بعد يوم.

إن الساكنة لم تعد تطالب بالمستحيل، بل تطالب بحقها المشروع في مدينة متوازنة، تحترم الإنسان قبل الإسمنت، وتحترم البيئة قبل الأرباح، وتحترم القانون قبل المصالح الخاصة.

ولذلك، فإننا نوجه نداءً واضحاً إلى جميع المتدخلين، كل من موقع مسؤوليته، من سلطات، ومؤسسات، ومنتخبين، ومهنيين، ولجان تقنية، وكل من ستكون له كلمة في هذا المشروع، بأن يجعلوا المصلحة العليا للمحمدية فوق كل اعتبار، وأن يبتعدوا عن أي اختيارات قد تثير الشبهات أو تعطي الانطباع، بأن المدينة تُدار بمنطق الامتيازات، لا بمنطق التخطيط الرشيد.

فالساكنة اليوم أكثر وعياً، مما كانت عليه بالأمس، وأكثر قدرة على متابعة تفاصيل هذا الملف، ولم تعد مستعدة لمشاهدة مسلسل جديد من القرارات التي قد تُفقد المحمدية، ما تبقى من جمالها العمراني، أو الطمع في تحويل بعض أحيائها إلى صفقات تجارية جديدة، أو تكرس مزيداً من الاختلالات التي عانت منها المدينة لسنوات.

إن المرحلة المقبلة، وخاصة مرحلة الإيداع الرسمي والبحث العلني، ينبغي أن تكون مناسبة لحوار حقيقي وشفاف، يشارك فيه المواطنون، وجمعيات المجتمع المدني، والمهنيون، والخبراء، حتى يكون تصميم التهيئة، ثمرة توافق يخدم الأجيال الحالية والقادمة، لا وثيقة تُفرض بمنطق الأمر الواقع.

لقد ضاقت الساكنة ذرعاً بكل ما يمس مدينتها، ولم يعد لديها استعداد لتحمل مزيد من التهور أو القرارات، التي قد تضع الربح العقاري فوق المصلحة العامة. والمحمدية، التي كانت يوماً تُلقب بعاصمة الزهور، تستحق أن تستعيد مكانتها، كمدينة جميلة ومتوازنة، لا أن تتحول إلى غابة من الإسمنت، أو إلى بقرة حلوب، تدر الملايير على البعض، بينما يخسر الجميع روح المدينة وجمالها.

إن التاريخ لا يرحم، والساكنة لا تنسى، وأي قرار يُتخذ اليوم، سيبقى شاهداً على من اختار حماية المحمدية، ومن فضل عليها حسابات أخرى، لا علاقة لها بالتنمية الحقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.