الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المحمدية… مدينة لم تُنجب فقط لاعبي الكرة، بل صنعت أيضًا نخبة من كبار أطر الدولة المغربية

ضربة قلم

ليست كل المدن تُقاس بمساحتها أو بعدد عماراتها وشوارعها، فهناك مدن تُقاس بما أنجبته وعرفت بداياتهم، من رجال ونساء تركوا بصمتهم في مؤسسات الدولة والمجتمع. ومن بين هذه المدن تبرز المحمدية، التي ظلت لسنوات طويلة فضاءً استثنائيًا لصناعة الأطر العليا والكفاءات المغربية في مجالات الأمن والإدارة والقضاء والحقوق والتسيير الترابي.

فالمحمدية، أو “فضالة” كما كان يُطلق عليها سابقًا، لم تكن مجرد مدينة ساحلية هادئة بين الدار البيضاء والرباط، بل كانت نموذجًا مصغرًا للمغرب بكل تنوعه البشري والاجتماعي والثقافي.
مدينة استقبلت أبناء مختلف المناطق المغربية، فاختلط فيها القادم من الشاوية بابن دكالة أو الشمال بابن الجنوب، وساكن الجبل بابن السهل، والموظف بالعامل والفلاح والطالب، لتتحول مع مرور الزمن، إلى مدرسة اجتماعية مفتوحة، ساهمت في تكوين أجيال من الكفاءات.

ولعل ما منح المحمدية هذه الخصوصية، هو كونها جمعت بين ما تفرق في مدن أخرى؛ فهي مدينة صناعية بامتياز، احتضنت أكبر المركبات الصناعية والبترولية بالمملكة، ومدينة سياحية بفضل شواطئها وكورنيشها، ومدينة قريبة من العالم القروي، كما أنها شكلت فضاءً تعليميا وثقافيا، استقطب أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة، الباحثين عن الترقي الاجتماعي عبر الدراسة والعمل.

ومن بين الأسماء التي ارتبطت بمدينة المحمدية، يبرز اسم المرحوم حميد البخاري، الذي تابع دراسته خلال طفولته بقصبة المدينة، قبل أن يكبر ويتدرج في المسؤوليات إلى أن تولّى منصب المدير العام للأمن الوطني ما بين سنتي 1979 و1981، في مرحلة دقيقة من تاريخ المؤسسة الأمنية المغربية.

كما يبرز اسم عبد الله محينات، أحد أبناء حي “ديور القراعي”، والذي تقلد مهام حساسة داخل وزارة المالية، من بينها مهمة مراقب مالي لدى عدد من المؤسسات العمومية، في مسار يعكس حضور أبناء المحمدية داخل دواليب الإدارة المالية للدولة.

ومن الأسماء البارزة كذلك أحمد الميداوي، الذي شغل منصب عامل المحمدية سنة 1987، قبل أن يتدرج في المسؤوليات ليصبح مديرًا عامًا للأمن الوطني، ثم وزيرًا للداخلية، وهو ما يؤكد أن المدينة كانت دومًا محطة لعبور شخصيات وازنة نحو مواقع القرار.

أما محمد فنيد، فقد بدأ مساره المهني بمدينة المحمدية مباشرة بعد تخرجه من مدرسة استكمال تكوين الأطر، حيث عُيّن قائدًا بالمدينة، وعاش بها سنوات، تركت أثرًا واضحًا في علاقته الإنسانية الراقية بالساكنة وأبناء فضالة، وهي العلاقة التي ظلت، إلى اليوم، قائمة على الاحترام  والتقدير المتبادلين. وبعد تلك المرحلة، واصل مساره الإداري متدرجًا بين مهام كاتب عام ثم عامل ووالٍ على عدد من الأقاليم والجهات المغربية، حيث راكم تجربة واسعة داخل دواليب الإدارة الترابية.

وفي المجال الأمني، يبرز أيضًا اسم بوشعيب أرميل، المعروف وسط أبناء المدينة بـ“الرميلي”، والذي تخرج عميدًا للشرطة، وعمل لفترة بالمحمدية قبل أن يتدرج في عدة مسؤوليات أمنية، من رئيس أمن إلى والٍ للأمن، ثم عامل على عمالة مديونة، قبل تعيينه مديرًا عامًا للأمن الوطني ما بين 2012 و2015. كما جمع بين المسؤولية الأمنية والتحصيل الأكاديمي بحصوله على الدكتوراه في علم الإجرام.

ولم يقتصر حضور أبناء المحمدية على المجالين الأمني والإداري، بل امتد أيضًا إلى القضاء، من خلال اسم عبد العزيز وقيدي، الذي شغل منصب رئيس المحكمة الابتدائية بالمحمدية، قبل أن يترأس عدة محاكم استئناف، كان آخرها محكمة استئناف الرباط.

كما يُسجل حضور محمد عطفاوي، الذي دشن مساره المهني موظفًا بعمالة المحمدية، قبل أن يتدرج إلى كاتب عام ثم والٍ، إلى أن أصبح حاليا، واليًا على جهة الشرق.

وفي المجال الحقوقي والفكري، نجد اسم المرحوم أحمد حرزني، الذي اشتغل أستاذًا بالمحمدية، قبل أن يترأس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في تجربة تؤكد أن المدينة، لم تكن فقط فضاءً لتكوين رجال الإدارة والأمن، بل أيضًا فضاءً لإنتاج الفكر والنقاش الحقوقي.

وإذا كان كثيرون يتذكرون المحمدية باعتبارها مدينة أنجبت أسماء رياضية بارزة، وأسهمت في رفد المنتخب الوطني بلاعبين متميزين، فإن الجانب الآخر الأقل تداولًا، هو أن هذه المدينة، ساهمت كذلك في تكوين نخبة من كبار الأطر الذين تولوا مسؤوليات حساسة داخل الدولة المغربية.

إن الحديث عن المحمدية ليس حديثًا عن مدينة عادية، بل عن فضاء مغربي خاص استطاع، رغم حجمه المتوسط، أن يتحول إلى مختبر اجتماعي حقيقي لإنتاج الكفاءات، وإلى نقطة التقاء بين المغرب العميق والمغرب الحديث، وبين البساطة الشعبية والطموح نحو مراكز القرار.

وربما لهذا السبب، ظل اسم المحمدية حاضرًا في ذاكرة الدولة والمجتمع، ليس فقط كمدينة بحر وصناعة، بل أيضًا كمدينة صنعت رجالًا بصموا تاريخ الإدارة المغربية الحديثة.

وإذ نعتذر عن الأسماء التي قد نكون أغفلنا ذكرها سهوًا، فإن المؤكد أن مدينة المحمدية ظلت، على امتداد عقود، مشتلاً حقيقيًا للكفاءات والأطر التي بصمت حضورها في مختلف مؤسسات الدولة وقطاعات المجتمع، وأسهمت بكفاءة واقتدار في خدمة الشأن العام كلٌّ من موقعه ومسؤولياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.