المحمدية: من الجمعيات الاجتماعية إلى “المشاريع التجارية”: أين ضاعت البوصلة؟
ضربة قلم
في المدن المغربية، وخصوصًا في الأوساط المرتبطة بالقطاع العمومي، اعتاد الموظفون على اعتبار جمعيات الأعمال الاجتماعية بمثابة الحاضنة التي تحمي مصالحهم وتدافع عن رفاههم، سواء عبر خدمات الدعم الاجتماعي والمادي، أو تنظيم أنشطة ثقافية ورياضية، أو توفير امتيازات مالية ومعنوية لمواجهة ضغوط الحياة. وفي قطاع التعليم، كان الرهان دائمًا أن تكون هذه الجمعيات صوتًا لأسرة التعليم، وجسرًا بين احتياجاتهم وبين الإمكانيات المتاحة، بعيدًا عن أي حسابات سياسية أو مصالح ضيقة.
لكن في عمالة المحمدية، يبدو أن هذا التصور بدأ يتآكل شيئًا فشيئًا، بعد أن تحوّلت بعض المرافق التعليمية العمومية إلى فضاءات تجارية تدر مداخيل مالية معتبرة، دون أن يلمس نساء ورجال التعليم أثرها المباشر على حياتهم المهنية أو الاجتماعية. والأمر هنا يتعلق بجمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي وزارة التربية الوطنية بالمديرية الإقليمية بالمحمدية، التي يهيمن على تسييرها أعضاء ينتمون إلى نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وهي نقابة لطالما رفعت شعار الدفاع عن المدرسة العمومية وعن المنتمين لجسم التعليم.
غير أن الممارسات الميدانية تطرح أكثر من علامة استفهام:
مدرسة الخنساء، الواقعة قبالة دار الشباب ابن خلدون بحي العالية، تحوّلت إلى قاعة رياضية مفتوحة أمام جميع المواطنين، بمقابل مالي، لا يراعي فلسفة “الأعمال الاجتماعية”.
مدرسة الأمير مولاي عبد الله بشارع الجيش الملكي، تحولت بدورها إلى مطعم ومقهى مفتوحين أيضًا أمام الجميع، بعيدًا عن فكرة تخصيص خدمات بأسعار تفضيلية لأسرة التعليم.
جزء مهم من ثانوية ابن ياسين، المطل على حي ديور الكرم، جرى تحويله منذ العديد من السنوات إلى مرفق تجاري محض، أُطلق عليه اسم “المقتصدية”، وهو سوق يتبضع فيه كل المواطنين، وليس فقط منخرطي الجمعية.
إلى جانب ذلك، يطرح رجال التعليم بالمحمدية تساؤلات ملحّة حول الوجيبة الكرائية لفضاء 5 أكتوبر بشارع الجيش الملكي، وكذا حول مداخيل المقتصدية وقاعة الرياضة، خاصة وأن التجربة المغربية تزخر بأمثلة لجمعيات أعمال اجتماعية في قطاعات أخرى تنجز برامج واضحة: إرسال منخرطيها لأداء مناسك الحج، بناء مساكن، تقديم دعم صحي ومعاشي، بل وحتى تنظيم أنشطة ترفيهية ودورات تكوينية.
السؤال الذي يتردد على ألسنة كثيرين هو: أين تذهب هذه المداخيل؟ ومن يتحكم فعليًا في تدبيرها؟
فإذا كانت الغاية من الجمعية خدمة المصلحة الاجتماعية العليا لأسرة التعليم، فلماذا يغيب الأثر الملموس على أرض الواقع؟ ولماذا لا يُفتح نقاش شفاف حول الأرقام والمصاريف، مثلما تقتضيه الأعراف الجيدة في العمل الجمعوي؟
وإلى جانب هذه التساؤلات حول المداخيل، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا لم يُكتب فوق اسم فضاء “5 أكتوبر” أنه تابع لجمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي وزارة التربية الوطنية بالمحمدية؟
هل الأمر من باب التعتيم حتى لا يعرف العموم أن هذا الفضاء يُستغل من طرف جمعية يفترض أنها تعمل لصالح أسرة التعليم؟ أم أنه مجرد سهو بريء؟
فأخلاقيًا وقانونيًا، من الطبيعي أن تُكتب الهوية الكاملة للجهة المالكة أو المسيرة، تمامًا كما هو الحال مع قاعة الرياضة الخنساء، حيث يظهر للعيان أنها تابعة للجمعية. إن غياب هذه الإشارة يفتح الباب أمام التأويلات، ويزيد من ضبابية المشهد بدل أن يعزز الشفافية.
إن ما يجري لا يقتصر على قضية مالية، بل يمتد إلى صلب الثقة بين القاعدة والمنظمات التي يفترض أن تمثلها. فرجال ونساء التعليم بالمحمدية لا يطلبون أكثر من دلائل واضحة وتقارير دقيقة تبرر هذا التدبير، وتعيد ربط الجمعية بهدفها الأصلي: خدمة الأسرة التعليمية، لا التحول إلى تاجر إضافي في سوق مفتوحة.
فَأْتُوا بِبُرْهَانِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.




