المحمدية: من يقف وراء استمرار استخلاص الأموال من مواقف مجانية؟ ومن يحمي هذا العبث؟

ضربة قلم
في مدينة المحمدية، رفعت جماعة المدينة، أسوة بعدد من الجماعات الترابية بالمغرب، منذ مدة لافتات واضحة، لا تحتمل أي تأويل، تعلن أن مواقف السيارات داخل المجال الحضري مجانية، وأنه لا يحق لأي شخص، كيفما كانت صفته، أن يطالب المواطنين بأي مقابل مادي نظير ركن سياراتهم أو دراجاتهم النارية أو حتى شاحناتهم. كان من المفترض أن يضع هذا القرار حدًا لسنوات من الفوضى والاستغلال، وأن يكرس مبدأ بسيطًا عنوانه: القانون فوق الجميع، وأن المواطن لا يؤدي، إلا ما ينص عليه القانون. غير أن ما يحدث في بعض شوارع المحمدية يبدو وكأنه يسير في اتجاه مغاير تمامًا، حيث تصطدم اللافتات الرسمية بواقع مختلف، وكأن القرار الصادر عن الجماعة، لم يغادر الجدران التي عُلقت عليها تلك اللافتات، بينما بقيت الأرصفة والمواقف خاضعة لمنطق آخر، يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهة التي تستفيد من هذا الوضع، وتسمح باستمرار هذه الممارسات، أو على الأقل لا تضع لها حدًا.
فإذا كنت ستتجول بمحاذاة السوق البلدي (الجوطية) على بعد خطوات قليلة فقط من بناية تحمل اسم الملحقة الإدارية الثانية، ستجد نفسك أمام مشهد يدعو إلى الدهشة، أكثر مما يدعو إلى الاستغراب. هناك، يقف من يطالب أصحاب السيارات بالأداء وكأن الأمر قانون نافذ، وكأن اللافتات التي علقتها الجماعة، مجرد ديكور حضري يزين الجدران لا أكثر.
والأغرب أن هذا يحدث في مكان، لا يبعد سوى أمتار عن مقر السلطة المحلية.
وهنا يبدأ المواطن في طرح الأسئلة التي لا يجد لها جوابًا.
هل هذه اللافتات أُنجزت فقط لالتقاط الصور؟ أم أنها صالحة للتطبيق في أحياء دون أخرى؟ وهل المجانية المعلن عنها لها توقيت إداري معين؟ أم أنها تتوقف بمجرد أن يبتعد المواطن عن عدسة الكاميرا؟
المفارقة أن المنطقة نفسها، توصف من طرف كثير من السكان بأنها واحدة من أكثر المناطق التي تعرف انتشارًا للتجارة غير المهيكلة، والدكاكين العشوائية، واحتلال الملك العمومي، حتى أصبح البعض يطلق عليها، على سبيل السخرية، “منجمًا” لكثرة ما يثار حولها من حديث عن الأنشطة المختلفة التي تدور بها صباح مساء.
لكن، ورغم كل ذلك، فإن تحميل المسؤولية كاملة لقائد الملحقة الإدارية أو لأعوان السلطة وحدهم، قد لا يكون منصفًا. فمن الطبيعي أن يقال، إنه لو تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وتعبأت مختلف الجهات المختصة، لأمكن الحد من كثير من هذه المظاهر.
غير أن القضية، في نظر كثيرين، تجاوزت حدود السلطة المحلية، وأصبحت تطرح سؤالاً أكبر يتعلق بمدى احترام القانون وهيبة المؤسسات، وبالجهات المكلفة بحماية النظام العام، وضمان تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
فالمواطن البسيط لا يهمه كثيرًا من هي الجهة المختصة، ولا يفرق بين اختصاصات الجماعة والسلطة المحلية والأجهزة الأمنية. ما يهمه هو سؤال بسيط للغاية: إذا كانت الجماعة تقول إن الوقوف مجاني، فلماذا يُطلب منه الأداء؟ وإذا كان ذلك مخالفًا، فلماذا يستمر؟ ومن المستفيد من استمرار هذا الوضع؟
الغريب أن بعض من يفرضون هذه الإتاوات يتصرفون بثقة كبيرة، وكأنهم يشتغلون بعقود رسمية، أو يحملون تفويضًا قانونيًا، حتى إن الزائر للمدينة، قد يعتقد لأول وهلة أن الأمر، يدخل ضمن منظومة مؤسساتية منظمة، بينما الحقيقة، إن صح ما يتداوله المواطنون، تثير الكثير من علامات الاستفهام.
إن استمرار مثل هذه المشاهد، يبعث برسالة سلبية مفادها أن اللافتات شيء، وتطبيق القانون شيء آخر، وأن المواطن قد يجد نفسه بين قرار رسمي معلق على الحائط، وواقع مختلف تمامًا على الأرض.
فهيبة الدولة لا تُقاس بعدد البلاغات، ولا بحجم اللافتات، وإنما بمدى احترام القانون في أبسط التفاصيل. لأن المواطن عندما يرى مخالفة واضحة، تستمر يومًا بعد يوم في مكان لا يبعد سوى أمتار عن الإدارات العمومية، فمن الطبيعي أن يتساءل: هل يعجز القانون عن قطع هذه الممارسات؟ أم أن هناك من لم يصله بعد خبر أن المواقف أصبحت مجانية؟
ويبقى الأمل أن تتدخل الجهات المختصة، كل من موقع مسؤوليته، ليس فقط لوضع حد لأي ممارسة مخالفة، بل أيضًا لإعادة الثقة إلى المواطن، حتى لا تتحول اللافتات الرسمية، إلى مجرد ديكور حضري جميل… بينما تستمر الفوضى في أداء دور البطولة فوق الرصيف.




