المحمدية: مهندسة أنهكها الصمت… فاختارت الرحيل شنقًا

ضربة قلم
استيقظ سكان حي رياض السلام بالمحمدية هذا الصباح على خبر صادم، حمل بين سطوره قدراً كبيراً من الحزن والذهول: سيدة ستينية، مهندسة سابقة في الجماعة الترابية للمدينة، وُجدت جثة هامدة بعد أن قررت وضع حد لحياتها شنقاً داخل بيتها. رحلت فجأة، دون ضجيج، كما عاشت في هدوءٍ لسنوات، تاركةً وراءها أسئلة كثيرة بلا أجوبة، وقلوباً مثقلة بالأسى والحيرة.
الراحلة، التي كانت معروفة في أوساط زملائها ووسط حيها بدماثة خلقها وهدوئها الشديد، لم تكن امرأة عابرة. كانت من أبناء المحمدية، تنتمي إلى جيل نساء ناضلن بصمت داخل مؤسسات الدولة، بصبرٍ واحترافية، في وقتٍ لم يكن سهلاً على المرأة أن تجد موطئ قدم في سلك الهندسة والتخطيط العمراني. اشتغلت لسنوات داخل الجماعة، وتحملت ضغوطات الإدارة والواقع المهني المعقد، قبل أن تحال على التقاعد وتدخل مرحلة جديدة من حياتها، كان يُفترض أن تكون أكثر سكينة واستقراراً.
غير أنها، رغم كل ما حققته، كانت تعيش بمفردها. لا زوج يشاركها تفاصيل الحياة، ولا أولاد يملؤون البيت دفئاً. الوحدة كانت رفيقتها، والوحدة، كما يعرف الجميع، قادرة على تقويض حتى أقوى النفوس. ليست كل الوحدات قاتلة، لكن عندما تتسلل إلى حياة من كانت في يومٍ من الأيام صمام أمان لغيرها، فإنها تصبح أكثر قسوة، وأكثر إيلاماً.
لا أحد يعلم يقيناً ما دار في داخلها في الأيام الأخيرة. هل هو الحزن؟ الاكتئاب؟ شعور بعدم الجدوى بعد التقاعد؟ أو ربما اختناقٌ من عالم لم يعد يُشبهها؟ كثيرون مرّوا من أمام باب بيتها، لكن قلةً فقط توقفت لتسألها: كيف حالك؟ هل تحتاجين شيئاً؟ هل الليل طويلٌ عليكِ؟ وهذا، في حد ذاته، جزء من المأساة. فنحن نعيش في مجتمع يُتقن تصدير صور التضامن، لكنه يفشل أحياناً في ممارسته حين يكون الأمر متعلقاً بالوحدة الصامتة، بالمعاناة التي لا تشتكي، بالحزن الذي لا يصرخ.
الخبر نزل كالصاعقة على جيرانها وزملائها السابقين. الكل يتساءل: لماذا؟ ولماذا بهذه الطريقة بالذات؟ الشنق ليس فعلاً عابراً، بل يحمل رمزية عميقة، رسالة قاسية إلى مجتمع لا يُنصت إلا حين تفلت الأمور. هي لم تختفِ في صمت فقط، بل اختارت أن تكون نهايتها صادمة، لعلها توقظ شيئاً ما في هذا العالم المُنهك.
الحديث الآن لا يدور فقط حول مصير سيدة متقاعدة، بل حول هشاشة الحياة بعد التقاعد، خاصةً لمن لم تنجب، أو لم تتزوج، أو لم تجد دفئاً إنسانياً يُعوّض ما فات. بعض الناس يظنون أن المعاش هو نهاية المتاعب، لكنه، بالنسبة لكثيرين، مجرد بداية لتآكل داخلي بطيء. حين تنسحب الأضواء، ويخفت وقع الاسم الذي كان يُذكر في الاجتماعات والملفات، ويُطوى المكتب الذي كانت تحتله، يجد المرء نفسه وحيداً أمام مرآة تُعيد طرح سؤال الوجود من جديد: من أنا الآن؟ وماذا تبقى لي؟
قد لا نعرف أبداً الدافع الحقيقي وراء قرارها المأساوي. وقد يكون مجرد تراكم لأحزان صغيرة، خيبات، إحساس بالإقصاء، تعب روحي لا يُرى بالعين المجردة. لكنها، رغم كل شيء، لا يجب أن تُنسى هكذا. فهي لم تكن رقماً في سجل الوفيات، بل روحاً عاشت بيننا، وتستحق أن يُسلّط الضوء على قصتها، لعلنا نعيد التفكير في معنى “الاعتراف بالجميل”، وفي مسؤوليتنا الجماعية تجاه كبارنا، تجاه المتقاعدين، تجاه أولئك الذين ساهموا في بناء هذا الوطن، ثم تُركوا يواجهون وحدهم جدران البيوت الباردة.
رحم الله الفقيدة، وألهم من عرفوها وعايشوها الصبر. وربما، فقط ربما، يكون موتها القاسي بداية لحياة أكثر دفئاً لأولئك الذين ما زالوا على قيد الألم.




