الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

المحمدية.. موسم الانتخابات: حين يستيقظ النفاق الاجتماعي وتُختبر الذاكرة القصيرة

ضربة قلم

خمسة أشهر فقط تفصلنا عن موعد انتخابي جديد، لكن في المحمدية، يبدو أن السباق انطلق قبل صافرة البداية. المدينة التي تعودت على إيقاع هادئ طيلة السنوات الماضية، بدأت فجأة تستعيد حركتها… لا بفضل مشاريع تنموية كبرى، بل بفضل “صحوة انتخابية” موسمية، يعرفها الجميع، ويحفظ طقوسها عن ظهر قلب.

فجأة، عاد “الفاعلون” إلى الواجهة. وجوه اختفت لسنوات، لا أثر لها في مشاكل الأحياء، ولا في هموم الساكنة، تعود اليوم بابتسامات عريضة، ووعود أكبر من طاقتها، وكأنها لم تغب يومًا. المحمدية، التي ظلت تعاني من اختلالات بنيوية في التهيئة، والنظافة، والبنيات التحتية، تتحول فجأة إلى مسرح مفتوح للزيارات، والجولات، و”الإنصات للمواطنين”… إنصات متأخر بخمس سنوات.

حين تتحول السياسة إلى عرض موسمي

الحملات الانتخابية في المحمدية، لم تعد مجرد تنافس ديمقراطي، بل صارت، في كثير من الأحيان، عرضًا موسميًا له طقوسه الخاصة. نفس الوجوه، نفس الخطاب، ونفس الأساليب، مع اختلاف طفيف في الإخراج.

تجد المرشح، الذي لم تطأ قدماه حيًا شعبيًا منذ آخر انتخابات، يعود اليوم ليصافح الجميع، يربت على الأكتاف، ويعد بحلول سحرية لكل المشاكل: من الحفر في الطرقات إلى البطالة، مرورًا بالنقل، والصحة، والتعليم. وكأن مفاتيح الحل، كانت في جيبه طوال الوقت، لكنه اختار تأجيلها إلى موسم الحصاد الانتخابي.

الأمر لا يتوقف هنا. فمع عودة المرشحين، تعود أيضًا “العدة الكاملة”:

  • بائعي “البرد” الذين يتحولون فجأة إلى مزودي حملات، يقدمون “حلل التعازي” السياسية، لكل من يرغب في استمالة القلوب عبر المناسبات الاجتماعية.
  • جمعيات موسمية، تظهر وتختفي حسب الحاجة، تنظم أنشطة خيرية بتمويل “غير بريء”.

جيوش رقمية… وصناعة الوهم

أخطر ما في الحملات الحالية، ليس ما يُقال في الواقع، بل ما يُصنع في العالم الافتراضي. جيوش من “المرتزقة الرقميين”، لا علاقة لهم بالسياسة ولا بهموم المدينة، يتم تشغيلهم لترويج صور ومقاطع فيديو، توحي بأن المرشح يحظى بشعبية جارفة.

لقطات منتقاة بعناية:
مرشح وسط حشد صغير، يتم تصويره من زاوية ضيقة، ليبدو كأنه مهرجان جماهيري.
زيارات عابرة يتم تضخيمها بعناوين رنانة: “استقبال حار”، “دعم واسع”، “التفاف شعبي غير مسبوق”.
تعليقات مكررة، حسابات وهمية، وإعجابات مدفوعة… كلها أدوات لصناعة “واقع افتراضي” لا يعكس بالضرورة، ما يجري على الأرض.

بل إن بعضهم لا يتردد في استغلال حتى لحظات الحزن. حضور جنازة يتحول إلى فرصة لالتقاط الصور، وتقبيل الرؤوس، وتوزيع الوعود بصوت خافت، وكأن الألم الإنساني صار بدوره منصة انتخابية.

تقبيل الأيادي… وشراء القرب

في مشاهد تتكرر كل موسم، يتحول بعض المرشحين إلى خبراء في “لغة الجسد الانتخابية”:
تقبيل الرؤوس، مصافحة طويلة، انحناءات مبالغ فيها، وكلمات معسولة، تُقال لكل شخص، وكأنه الوحيد في هذا العالم.

في الأسواق، في المقاهي، أمام المساجد… نفس السيناريو:
“حنا معاكم”، “مشاكلكم في عينينا”، “غير صبرو علينا”… عبارات محفوظة، تُقال بنفس النبرة، لنفس الجمهور، كل خمس سنوات.

لكن السؤال البسيط الذي لا يُطرح بما يكفي: أين كان هذا القرب طوال الولاية؟ ولماذا لا يظهر، إلا حين تقترب صناديق الاقتراع؟

المال… الفاعل الخفي

لا يمكن الحديث عن الحملات الانتخابية دون التطرق إلى المال، ذلك اللاعب الصامت الذي يحرك الكثير من الخيوط.
مساعدات “إنسانية” في توقيت مشبوه، دعم لجمعيات، تمويل أنشطة، توزيع قفف… كلها وسائل تُستعمل أحيانًا، لكسب التعاطف، إن لم نقل الأصوات.

المشكل ليس في العمل الخيري في حد ذاته، بل في توظيفه السياسي. حين يتحول التضامن إلى أداة انتخابية، يفقد معناه، ويصبح مجرد استثمار قصير الأمد في ذاكرة الناخب.

فئة “الفرصة الأخيرة”… حين تتحول الانتخابات إلى طوق نجاة

وسط هذا المشهد المألوف، تبرز فئة أخرى لا تقل خطورة عن سابقتها: فئة الانتهازيين الذين لا يرون في المحمدية، وفي الاستحقاقات الانتخابية سوى “الفرصة الأخيرة”.

هؤلاء ليسوا بالضرورة من الوجوه التقليدية التي تعود كل خمس سنوات، بل منهم أيضًا بعض الوجوه التي ملّها الجمهور، وأصبحت جزءًا من مشهد مكرر فقد بريقه. وإلى جانبهم، تظهر أحيانًا أسماء جديدة فجأة، بدعم غامض وطموح يفوق بكثير حجم تجربتها. أشخاص تعثروا في مجالات أخرى: في التجارة، في “كراء الواجهة” أو ما يُعرف شعبيًا بـ“كاري حنكو” في مجالات كان يفترض أن تُدبَّر بسلاسة، في العمل النقابي، في التسيير، أو حتى في بناء مسار مهني مستقر، أو في ترك أثر طيب يظل بعد الرحيل، فيرون في السياسة بابًا خلفيًا لإعادة التموضع… أو محاولة أخيرة للصعود بأي ثمن.

بالنسبة لهم، الانتخابات ليست مشروع خدمة عامة، بل رهان شخصي:
إما الفوز والصعود السريع إلى مواقع القرار،
أو الاختفاء مجددًا في هامش النسيان.

تجد الواحد منهم يدخل الحملة بخطاب “التغيير الجذري”، يهاجم الجميع، ويقدم نفسه كمنقذ، وكأن المدينة كانت تنتظر ظهوره بالضبط. لكن خلف هذا الخطاب، غالبًا ما يغيب أي تصور حقيقي، أو برنامج قابل للتنفيذ.

الأخطر من ذلك، أن هذه الفئة تكون مستعدة لفعل أي شيء لكسب السباق:
التحالف مع أي جهة،
تغيير المواقف بين ليلة وضحاها،
واستعمال نفس الأساليب التي كانت تنتقدها بالأمس.

السياسة هنا لا تُمارس كقناعة، بل كـ”فرصة أخيرة” يجب اقتناصها بأي ثمن.

حين يلتقي الانتهازي مع الناخب المتعب

ما يمنح هذه الفئة فرصة الحضور ليس فقط جرأتها، بل أيضًا واقع اجتماعي معقد: ناخبٌ متعب فقد الثقة في الوجوه التي جرّبها مرارًا، وأصبح يبحث عن “أي بديل”، حتى لو كان غير واضح المعالم أو غير مضمون المآل.

وهنا، يحدث التقاطع الحاسم: طلبٌ للتغيير من جهة، وعرضٌ للانتهازية من جهة أخرى.

يقدّم المرشح نفسه كحلّ سريع، ويُستقبل أحيانًا بتعاطف، لا لأنه مقنع بالضرورة، بل لأن التجارب السابقة استنزفت الأمل وخلخلت الثقة في البدائل التقليدية.

الخطر الصامت

الفرق بين هذه الفئة وغيرها، أنها لا تحمل فقط وعودًا فارغة، بل تحمل أيضًا قابلية عالية، لإعادة إنتاج نفس الأعطاب بسرعة أكبر. لأن من يدخل السياسة كفرصة أخيرة، غالبًا ما يسعى لتعويض ما فاته… في أقصر وقت ممكن.

وهنا، تتحول المسؤولية من خدمة المدينة، إلى سباق مع الزمن لتحقيق مكاسب شخصية. ويُقابل أحيانًا بتعاطف، لا لأنه مقنع، بل لأن الآخرين خيبوا الآمال.

المحمدية… بين الذاكرة والنسيان

المحمدية ليست مدينة بلا ذاكرة. سكانها يعرفون جيدًا من اشتغل ومن غاب دون أدنى مبرر، من وعد ومن أوفى، ومن ظهر فقط حين دقّ جرس الانتخابات.
لكن، وفي كل مرة، يبدو أن جزءًا من هذه الذاكرة، يُمحى أو يُؤجل، تحت ضغط الحاجة، أو تأثير اللحظة، أو حتى بفعل الإحباط.

وهنا تكمن المفارقة: الحملات الانتخابية، لا تراهن فقط على الإقناع، بل أيضًا على النسيان.

هل يتغير المشهد؟

ما يحدث اليوم في المحمدية ليس استثناء، بل نموذج مصغر، لما تعيشه مدن أخرى. نفس الأساليب، نفس الوجوه، ونفس الرهانات. لكن في المقابل، هناك وعي يتشكل، ببطء، لدى فئة من المواطنين، تتابع، تقارن، وتطرح الأسئلة.

هذا الوعي، إن تطور، قد يكون العامل الوحيد القادر على كسر هذه الحلقة المفرغة.

لأن الديمقراطية لا تُختزل في يوم الاقتراع، بل تُبنى في التفاصيل: في المراقبة، في المحاسبة، وفي رفض تحويل السياسة إلى مسرح موسمي.

الخلاصة…

الحملات الانتخابية في المحمدية بدأت، ومعها بدأ العرض المعتاد. لكن بين الضجيج والصور والوعود، يبقى السؤال الحقيقي معلقًا:

هل نحن أمام تنافس لخدمة المدينة… أم مجرد سباق لإعادة إنتاج نفس الوجوه، بنفس الأساليب، وبذاكرة أقصر؟

الجواب، هذه المرة، لن يُحسم في الخطابات… بل في وعي من يستمع إليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.