الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المحمدية.. هل انفجر التعليم من الداخل؟ أربع نقابات تفتح الملفات الثقيلة وتعلن التصعيد

ضربة قلم

لم يعد الأمر مجرد ملاحظات نقابية عابرة، ولا مجرد احتجاج جديد، ينتهي ببيان يُقرأ، ثم يوضع في رف البيانات المنسية. في المحمدية، يبدو أن أربع نقابات تعليمية، قررت أن ترفع سقف الكلام، وأن تنتقل من لغة التنبيه والانتظار إلى لغة الاتهام السياسي والنقابي الواضح، مع الإعلان عن خطوات احتجاجية وفتح ملفات، تقول إنها ظلت عالقة رغم إثارتها في مناسبات سابقة.

والأخطر في بيان التنسيق النقابي الرباعي، الصادر بالمحمدية في فاتح أكتوبر 2026، ليس فقط ما ورد فيه من انتقادات، وإنما طبيعة الملفات التي اختار أصحاب البيان وضعها فوق الطاولة دفعة واحدة: تدبير المؤسسات التعليمية، التكليفات، السكنيات الإدارية والوظيفية، ما تصفه النقابات بظاهرة “الموظفين الأشباح”، المناصب المرتبطة بالخصاص والفائض، المؤسسات المغلقة، ثم طريقة تدبير الحوار المؤسساتي نفسه.

بمعنى آخر، نحن أمام بيان، لا يشتكي من عطب واحد، وإنما يرسم صورة، يعتبرها أصحابُه اختلالاً متشعباً في طريقة تدبير الشأن التعليمي بالإقليم.

التنسيق النقابي الرباعي بالمحمدية، الذي يضم الجامعة الوطنية للتعليم UMT، والجامعة الحرة للتعليم UGTM، والجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديمقراطي FNE، والنقابة الوطنية للتعليم FDT، يستحضر في البداية التاريخ النضالي للحركة النقابية الوطنية، وما راكمته من تضحيات دفاعاً عن كرامة وحقوق الشغيلة وعن المدرسة العمومية، باعتبارها إحدى ركائز بناء مغرب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

لكن لغة البيان، سرعان ما تنتقل من استحضار الماضي إلى مساءلة الحاضر.

فالنقابات تقول إنها استنفدت سبل الحوار والتنبيه، ومع ذلك استمرت، بحسبها، الاختلالات التدبيرية بالمديرية الإقليمية بالمحمدية، وهي الاختلالات التي تقول، إنها سبق أن أثارتها دون أن تجد طريقها إلى الحل والمعالجة الجادة.

وهنا تبدأ الرسالة الثقيلة.

فالبيان، لا يكتفي بالمطالبة بتحسين التدبير، بل يؤكد أن مسؤولية تدبير الشأن التعليمي بالإقليم تقتضي وضوحاً في المسؤولية ونجاعة في التدبير واستعداداً فعلياً لتصحيح الاختلالات، كما يطالب بوضع حد، لما سماه البيان “الفرقشة”، التي يقول إنها أخذت أشكالاً متعددة.

والأهم أن التنسيق النقابي، يحمل المدير الإقليمي بالمحمدية، باعتباره المسؤول الأول عن تدبير القطاع على المستوى الإقليمي، مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، ويدعوه إلى تحمل مسؤولياته كاملة، والانتقال، حسب تعبير البيان، من منطق تعويم الأزمة إلى منطق معالجة أسبابها.

وهذه ليست عبارة عابرة.

لأن “تعويم الأزمة” يعني، في القراءة النقابية للبيان، أن المشكلة، لم تعد في غياب الحلول فقط، وإنما في طريقة التعامل معها، وفي إبقائها مفتوحة بدل معالجة جذورها.

ومن هنا، يأتي دفاع النقابات عن حقوق نساء ورجال التعليم، وعن إعادة الاعتبار للحوار المؤسساتي وضمان السير العادي للمرفق العمومي.

ثم يدخل البيان إلى الملفات واحداً واحداً، وهنا تصبح الصورة أكثر ثقلاً.

فالتنسيق النقابي الرباعي يدين ما يصفه بسوء التدبير ومظاهر المحاباة والتحيز الفاضح في تدبير الشأن التعليمي بالإقليم، ويقدم مثالاً على ذلك من خلال ملف مؤسسة المنظر الجميل، متحدثاً عن تكليف المدير خارج الضوابط القانونية المعمول بها، وما يصفه بالعبث بالبنية التربوية للمؤسسة، إضافة إلى إسناد عشرين تلميذاً إلى ثلاثة أساتذة، وهي أمور يقول البيان، إنها تطرح تساؤلات تستوجب التحقيق والتدخل والمعالجة الفورية.

وفي ملف آخر، يستغرب التنسيق النقابي تكليف مدير مدرسة ابتدائية بتدبير إعدادية المنظر الجميل، رغم وجود متصرفين تربويين، من بينهم مديرة إعدادية في طور الإحداث، ومتصرّفون تربويون بالمديرية الإقليمية، يقول البيان إنهم جميعاً وضعوا طلبات في الموضوع لدى المديرية الإقليمية.

لكن القائمة لا تتوقف هنا.

فالبيان يفتح أيضاً ملف السكن الإداري والوظيفي، ويستنكر ما يصفه بطريقة تدبير هذا الملف في خرق للقوانين المؤطرة للاستفادة منه، ويتحدث عن مظاهر الغموض والانتقائية، والتسيب في تدبيرها، مع إعلان النقابات، أنها ستفصل في جميع السكنيات التي تقول، إنها مقتحمة في بيانات لاحقة.

ثم يصل البيان إلى ملف أكثر حساسية: “الموظفون الأشباح”.

التنسيق النقابي يرفض استمرار هذه الظاهرة، كما يصفها، ببعض المؤسسات التعليمية، ويحمل المدير الإقليمي مسؤولية التستر المكشوف عليهم، وعدم اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة لمحاربة هذه الظاهرة، بما يضمن، وفق البيان، تكافؤ الفرص وحقوق المتعلمات والمتعلمين والموظفين ويصون المدرسة العمومية.

وهنا، تحديداً، تتحول المسألة من مجرد خلاف حول طريقة تدبير إلى سؤال يتعلق بالعدالة داخل المرفق العمومي نفسه: من يحضر؟ من يعمل؟ ومن يتحمل كلفة غياب من يفترض أن يكون في موقع العمل؟

ثم يفتح البيان ملف مناصب التكليف المتفق عليها في عملية تدبير الفائض والخصاص، حيث يشجب ما يصفه بتلاعب المديرية الإقليمية بهذه المناصب وتغييرها لفائدة مجموعة من الموظفين “المحظوظين”، معتبراً ذلك، بحسب صياغته، تكريساً لمنطق الريع والزبونية والانتقائية، وضرباً لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.

وبعدها يأتي ملف المؤسسات المغلقة، وهو ملف يقدمه البيان باعتباره مثالاً على ما يسميه ازدواجية المعايير.

فالنقابات تتحدث عن مؤسسات، تقول إن تدبير ملفاتها يتم بمنطق المحاباة والزبونية، وتذكر بالاسم مدرسة أولاد حميمون 1 و2 ومدرسة السهام 1 و2، مقابل مؤسسات أخرى، تقول إن التعامل معها، يتم بمنطق الترهيب والتهديد والتعتيم، وتذكر في هذا السياق إعدادية علال بن عبد الله، مع الإشارة إلى إفادة أو مراسلة في الموضوع.

وهنا يصل البيان إلى خلاصته السياسية والنقابية الواضحة:

“هذا الوضع التعليمي القاتم لم يعد مقبولاً”.

ولأن الكلام، حسب أصحاب البيان، لم يعد كافياً، فقد انتقل التنسيق النقابي الرباعي إلى إعلان إجراءات عملية.

أولها مقاطعة جميع أشغال اللجنة المشتركة الإقليمية التي يصفها البيان بالصورية مع المديرية الإقليمية، مع تحميل المدير الإقليمي تبعات قراراته الانفرادية، وما يعتبره البيان عبثاً بمصالح نساء ورجال التعليم بالإقليم.

وثانيها تجسيد شكل نضالي احتجاجي يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 بالمديرية الإقليمية، بمشاركة المسؤولين النقابيين للتنسيق الرباعي.

وثالثها عقد ندوة صحفية للتنسيق النقابي الرباعي من أجل كشف ما يسميه البيان الخروقات والاختلالات التدبيرية للمدير الإقليمي، وتنوير الرأي العام التعليمي بالإقليم، على أن يتم تحديد تاريخ الندوة لاحقاً.

ثم تأتي المطالبة الأكبر: فتح تحقيق نزيه وشفاف في جميع الملفات المشبوهة والعالقة، ومحاسبة المسؤولين عنها، مع توجيه هذا الطلب إلى الجهات المعنية جهوياً ووطنياً.

وهنا بالضبط يصبح يوم 5 أكتوبر أكثر من مجرد موعد احتجاجي.

فإذا التزمت النقابات بما أعلنت عنه، وإذا انتقلت من البيان إلى الاحتجاج، ثم إلى الندوة الصحفية، فإن ملفات كانت تدور داخل أسوار المؤسسات التعليمية، قد تجد طريقها إلى الرأي العام.

واللافت أن التنسيق الرباعي، لا يقدم نفسه، في نهاية البيان، باعتباره طرفاً يبحث فقط عن مواجهة مع الإدارة، بل يدعو كافة نساء ورجال التعليم بالإقليم إلى الالتفاف حوله دفاعاً عن حقوقهم المشروعة، وصوناً لكرامتهم وضماناً لاستقرارهم المهني والاجتماعي.

وبين سطور البيان، تظهر رسالة أساسية: النقابات الأربع تعتبر أن مرحلة الصمت والانتظار انتهت، وأن ما كان يُناقش في فضاءات الحوار المغلقة، أصبح الآن موضوعاً قابلاً للخروج إلى العلن.

لكن هنا أيضاً، يجب التمييز بين أمرين: ما ورد في البيان هو مواقف واتهامات ومطالب صادرة عن التنسيق النقابي الرباعي، وهي تحتاج، بطبيعة الحال، إلى ردود وتوضيحات من المديرية الإقليمية والجهات المعنية، خصوصاً أن البيان يتحدث عن ملفات محددة ويطالب بفتح تحقيق فيها.

فالتحقيق، في نهاية المطاف، هو الذي يمكنه أن يحدد أين توجد المخالفات، ومن يتحمل مسؤوليتها.

لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً من هذا البيان:

المشكل لم يعد مجرد “سوء تفاهم” بين الإدارة والنقابات.

هناك أربع نقابات وقّعت بياناً مشتركاً، وهناك ملفات متعددة، جرى وضعها في الواجهة، وهناك موعد احتجاجي معلن، وندوة صحفية مرتقبة، ومطالبة صريحة بتحقيق جهوي ووطني.

والكرة الآن ليست في ملعب النقابات وحدها.

فالمديرية الإقليمية مطالبة، عملياً، بأن تشرح للرأي العام التعليمي حقيقة هذه الملفات، وأن تقدم أجوبتها حول كل ما ورد من معطيات واتهامات، لأن الصمت في مثل هذه الملفات لا يغلق الأسئلة، بل يتركها مفتوحة على مزيد من الأسئلة.

وفي التعليم، لا يتعلق الأمر بمكتب إداري، يمكن أن ينتظر طويلاً حتى تُحل مشكلة تدبيرية.

إنه مدرسة، وأستاذ، وتلميذ، وحق في خدمة عمومية سليمة.

ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في المحمدية، ليس فقط: ماذا قالت النقابات؟

بل أيضاً:

ماذا ستقول الإدارة؟

والأهم:

هل سيكون يوم 5 أكتوبر بداية معالجة حقيقية للملفات، أم بداية فصل جديد من شد الحبل بين النقابات والمديرية الإقليمية؟

في انتظار الجواب، يبقى أخطر ما في البيان، ليس نبرة الاحتجاج، وإنما قائمة الملفات التي قرر أصحابها ألا تبقى في الظل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.