
ضربة قلم
في كل محطة انتخابية، يرفع الجميع شعارات النزاهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص بين المرشحين، واحترام أخلاقيات التنافس السياسي. غير أن ما يثير الاستغراب، ويستوجب نقاشا عموميا هادئا ومسؤولا، هو مشاهدة بعض المسؤولين السابقين، الذين تقلدوا مناصب حساسة، داخل أجهزة الدولة، وهم ينتقلون، بعد إحالتهم على التقاعد مباشرة، إلى الاشتغال إلى جانب مرشحين في الاستحقاقات الانتخابية، بل وفي الدوائر والمناطق نفسها التي سبق أن مارسوا فيها مهامهم الإدارية أو الأمنية لسنوات، وكأن سنوات الخدمة العمومية، لم تكن سوى مرحلة تمهيدية لمرحلة أخرى ذات طبيعة سياسية وانتخابية. وهنا لا يتعلق النقاش بحقهم كمواطنين في الانخراط في العمل السياسي، بقدر ما يتعلق بالأثر ،الذي قد تتركه مثل هذه الممارسات على صورة حياد الإدارة، وعلى الثقة التي يفترض أن يضعها المواطن في مؤسسات الدولة، والتي ينبغي أن تبقى بمنأى عن كل ما قد يثير التأويل، أو يخلط بين خدمة المرفق العام والتنافس الانتخابي.
وفي المحمدية، يتساءل كثيرون: كيف يمكن لكاتب عام سابق للعمالة، وهو منصب ظل لعقود يجسد سلطة الدولة واستمراريتها، أن يصبح بعد إحالته على التقاعد، حاضرا ضمن محيط أحد المرشحين في الانتخابات؟ وكيف يمكن لمسؤول أمني أو دركي سابق، ارتبط اسمه بتطبيق القانون والحياد، أن يجد نفسه، بعد انتهاء مساره المهني منخرطا في حملة انتخابية إلى جانب مرشح بعينه؟
قد يكون ذلك، من الناحية القانونية، أمرا لا يمنعه القانون إذا لم توجد قيود خاصة أو التزامات مستمرة. فالمواطن، بعد تقاعده، يحتفظ بحقوقه المدنية والسياسية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه، لا يتعلق فقط بالقانون، بل بصورة الدولة وهيبتها، وبالانطباع الذي يتكون لدى المواطنين.
فالمواطن البسيط لا ينظر دائما إلى النصوص القانونية، بل إلى الرمزية. وعندما يرى مسؤولا سابقا، كان يمثل الدولة بالأمس القريب، يقف اليوم في خندق سياسي معين مقابل مصلحة بئيسة، فقد يتساءل: هل انتهت فعلا العلاقة بين الرجل والمؤسسة التي كان يمثلها؟ أم أن الصورة تخلق لبسا، يضر بثقة الناس في حياد المرفق العام؟
إن الدولة ليست مجرد بنايات وإدارات، وإنما هي أيضا صورة ورمزية وثقة. وهذه الثقة تتطلب، في نظر كثيرين، أن تبقى هناك مسافة واضحة بين ممارسة السلطة العمومية، وبين التنافس الانتخابي، حتى بعد انتهاء المهام الرسمية، كلما كان ذلك ضروريا لحماية صورة المؤسسات.
ولا يتعلق الأمر بحرمان أي متقاعد من حقه في ممارسة السياسة، فهذا حق يكفله الدستور لكل مواطن. وإنما يتعلق بالنقاش حول ما إذا كانت بعض المناصب العليا، بحكم حساسيتها، تستوجب قدرا أكبر من التحفظ، أو على الأقل فترة زمنية فاصلة قبل الانخراط في حملات انتخابية، بما يحول دون خلق انطباع، بوجود تداخل بين النفوذ السابق والعمل السياسي اللاحق.
ولعل ما يزيد من حساسية الموضوع، هو أن الانتخابات ليست مناسبة عادية، بل هي لحظة، يتنافس فيها الجميع على كسب ثقة الناخبين. ولذلك، فإن ظهور شخصيات، سبق أن شغلت مناصب سيادية أو إدارية رفيعة إلى جانب مرشح معين، قد يمنح، في نظر البعض، انطباعات لا تخدم مبدأ تكافؤ الفرص، حتى وإن لم يكن لذلك أي أثر قانوني أو عملي.
المشكلة، إذن، ليست في الأشخاص، وإنما في الرسالة التي تصل إلى المواطن. فالهيبة لا تُقاس فقط بما ينص عليه القانون، وإنما أيضا بما تتركه الممارسات من أثر في الوعي الجماعي.
لقد كان المسؤول الإداري أو الأمني، وهو يمارس مهامه، مطالبا بالحياد الكامل تجاه جميع الفاعلين السياسيين. ولذلك فإن الانتقال السريع إلى العمل إلى جانب أحدهم يثير بطبيعة الحال أسئلة مشروعة، حول الحدود الفاصلة بين الحق الشخصي في العمل السياسي وبين واجب المحافظة على الصورة الرمزية للمؤسسات.
إن الديمقراطية لا تكتمل فقط بإجراء الانتخابات، بل أيضا بحماية ثقة المواطنين في حياد الدولة. وكلما بقيت هذه المسافة واضحة بين مؤسسات الدولة وبين الصراع السياسي، ازدادت الثقة في العملية الديمقراطية، واطمأن المواطن إلى أن الإدارة تقف على المسافة نفسها من الجميع.
ولذلك، فإن النقاش اليوم لا ينبغي أن ينصب على أشخاص بأعينهم، ولا على التشكيك في نواياهم، وإنما على مبدأ عام يستحق التفكير: كيف نحافظ على هيبة الدولة، وعلى الصورة التي ينبغي أن تبقى راسخة في أذهان المواطنين، وهي أن من يمثل الدولة أثناء أداء مهامه يبقى، حتى بعد مغادرته المنصب، حريصا على ألا يضع تلك الرمزية في موضع، قد يثير التأويل أو يفتح باب الشكوك؟
فالهيبة ليست امتيازا يمنح للمسؤول، بل هي رصيد معنوي للمؤسسات. وحين يشعر المواطن بأن الحدود بين السلطة الإدارية والعمل السياسي أصبحت ضبابية، فإن أول ما يتأثر هو الثقة، والثقة هي رأس مال أي دولة قوية، قبل القوانين والإجراءات.




