المحمدية.. وجوه لا تخجل تعود من جديد: من صناديق الاقتراع إلى “مغارة” الامتيازات!

ضربة قلم
في كل موسم انتخابي، تستيقظ الذاكرة الجماعية لساكنة المحمدية، على مشهد يتكرر بإخراج مختلف: وجوه قديمة تعود بثقة غريبة، وكأن الزمن لم يترك أثرًا، وكأن الحصيلة لا تُسائل، وكأن المواطن مجرد رقم يُستدعى عند الحاجة… ثم يُنسى عند أول فرصة لتقاسم الغنائم.
هذه العودة، ليست بريئة ولا عفوية. إنها عودة محسوبة، مدروسة، ومسنودة بخبرة طويلة في “كيف تُؤكل الكتف”. خبرة لا تُقاس بالبرامج ولا بالرؤى، بل بقدرة أصحابها على التموقع، وإعادة التموضع، وتبديل الأقنعة حسب اتجاه الريح.
ذاكرة مثقوبة… أم ذاكرة مُثقَلة بالإكراه؟
السؤال الذي يفرض نفسه: كيف تعود هذه الوجوه أصلًا؟
الجواب المؤلم أن جزءًا من المشكلة، لا يكمن فقط في “العائدين”، بل أيضًا في بيئة تسمح بالعودة. بيئة تختلط فيها الحاجة بالضغط، والوعود بالابتزاز الناعم، والآمال المؤجلة بحسابات ضيقة، تُفرغ العملية الانتخابية من معناها الحقيقي.
الناخب، في كثير من الأحيان، لا يصوت على مشروع، بل على أملٍ في خدمة، أو دفع ضرر، أو تفادي تعقيد إداري. وهنا تتحول السياسة من تعبير عن الإرادة العامة، إلى سوق خدمات غير معلن، تُباع فيه الوعود بالتقسيط، ويُشترى فيه الصمت بالانتظار.
تمثيلية مُفترى عليها… وبرلمان بلا أثر
بعض هذه الوجوه راكمت سنوات داخل قبة البرلمان، لكنها لم تترك سوى أثر باهت في سجل المدينة. حضور مناسباتي، مداخلات موسمية، وصور تُلتقط عند الحاجة… ثم صمت طويل حين يتعلق الأمر بالملفات الثقيلة.
تمثيلية تُقدَّم كإنجاز، لكنها في الواقع مفترى عليها:
- لا دفاع حقيقي عن قضايا الساكنة
- لا تتبع جدي لملفات التشغيل أو الصحة أو السكن
- ولا مساءلة تُذكر للسياسات التي تمس الحياة اليومية
البرلمان هنا يصبح منصة للوجاهة، لا أداة للرقابة والتشريع. مقعد يُستثمر، لا مسؤولية تُمارس.
الجماعة… حين تتحول إلى “مغارة” امتيازات
أما على مستوى الجماعة، فالصورة أكثر فجاجة. هناك فئة متمرسة في التعامل مع الشأن المحلي باعتباره مغارة مفتوحة:
رخص تُمنح بانتقائية، مشاريع تُوجَّه حسب القرب، وتدبير يتحول إلى شبكة مصالح متشابكة.
ملف التعمير، على وجه الخصوص، يصبح بوابة واسعة:
- رخص السكن والإقامات تُستعمل كورقة نفوذ
- المساطر تُلين لمن يعرف الطريق، وتتعقد في وجه من لا سند له
- والمدينة تُعاد صياغتها وفق ميزان الربح، لا وفق حاجيات الساكنة
هنا لا نتحدث فقط عن اختلالات، بل عن ثقافة تدبير ترى في الجماعة موردًا، لا مرفقًا عموميًا.
“الجوعى” إلى المناصب… حين تفضحهم الأيام
إلى جانب “المحترفين”، تظهر فئة أخرى لا تقل خطورة:
وجوه تبحث عن فرصتها الأخيرة. وجوه دفعتها السنوات إلى حافة التهميش، فعادت إلى السياسة لا بخدمة الناس، بل بحثًا عن مورد إضافي، وعن باب يُفتح لتعويض ما فاتها.
هؤلاء يمكن تسميتهم بلا مجاملة: “الجوعى” إلى المناصب.
ليس الجوع هنا بيولوجيًا، بل جوع إلى الامتياز، إلى التعويضات، إلى النفوذ الصغير الذي يمنح شعورًا كبيرًا بالسيطرة.
تفضحهم الأيام سريعًا:
- وعودهم أكبر من قدرتهم
- حضورهم موسمي
- واهتمامهم ينحصر في ما يدرّ دخلًا أو يفتح باب صفقة
تمثيلية السكان بالنسبة لهم مجرد وسيلة، لا غاية. والناخب ليس شريكًا، بل سلّمًا يُستعمل مرة كل بضع سنوات.
لغة مزدوجة… وخطاب بلا ذاكرة
العائدون يتقنون لعبة اللغة المزدوجة:
يتحدثون عن “خدمة المواطن”، وهم يقصدون خدمة دوائرهم الضيقة.
يرفعون شعار “التنمية”، وهم يفاوضون على الامتيازات.
يستعملون مفردات كبيرة لإخفاء ممارسات صغيرة.
لكن المشكلة أن الخطاب، مهما كان متقنًا، لا يستطيع أن يمحو الذاكرة بالكامل. فالأحياء تتذكر، والملفات تتكلم، والنتائج – أو غيابها – تُسجَّل ولو بصمت.
مدينة تستحق أكثر
المحمدية ليست مجرد مجال انتخابي. هي مدينة بتاريخ صناعي، وموقع استراتيجي، وإمكانات بشرية واقتصادية كبيرة.
لكنها، في كثير من الأحيان، تُختزل في حسابات انتخابية ضيقة، وفي صراعات مواقع لا تُنتج إلا مزيدًا من التعثر.
الرهان الحقيقي ليس في منع الوجوه من العودة – فذلك حق ديمقراطي – بل في محاسبتها على ما قدمت، وفي رفع كلفة الفشل سياسيًا. حينها فقط، تصبح العودة مشروطة بالكفاءة، لا بالقدرة على المناورة.
ما الذي يجب أن يتغير؟
التغيير لا يبدأ من الشعارات، بل من القواعد:
- ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي، لا موسمي
- شفافية حقيقية في ملفات التعمير والرخص
- تقوية دور المجتمع المدني والإعلام في التتبع
- والأهم: وعي انتخابي لا يساوم على الكرامة مقابل خدمة مؤقتة
حين يدرك السياسي أن الصوت لا يُشترى، وأن الذاكرة لا تُمحى، وأن المقعد ليس غنيمة… سيتغير السلوك تلقائيًا.
خاتمة بلا مجاملة
عودة بعض الوجوه إلى واجهة الانتخابات في المحمدية ليست حدثًا عابرًا، بل اختبارًا لمدى نضج الممارسة السياسية.
إما أن تبقى المدينة رهينة نفس الدوائر ونفس الأساليب،
أو أن تُفتح صفحة جديدة عنوانها: تمثيلية حقيقية، لا تمثيلية مُفترى عليها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا يُحب البعض سماعه:
هل تغيّروا هم… أم أننا نحن من لم نغيّر طريقة الاختيار؟




