الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المحمدية وطب العيون: حين تصبح مدينة بأكملها رهينة لطبيبة واحدة!

ضربة قلم

إذا كانت المدن تُقاس بعدد سكانها، فإن المحمدية مدينة كبيرة. وإذا كانت تُقاس بحجم المشاريع والاستثمارات والعمران، فهي مدينة تتوسع يوماً بعد يوم. أما إذا كانت تُقاس بالخدمات الصحية الأساسية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: كيف لمدينة تضم مئات الآلاف من السكان أن تجد نفسها، في مجال حيوي كطب العيون، تحت رحمة طبيبة واحدة فقط؟

معلوم أن مستشفى مولاي عبد الله بالمحمدية، الذي تكتريه وزارة الصحة من صندوق الإيداع والتدبير، كان يضم مصلحة طب العيون الوحيدة بالمدينة. غير أن هذه المصلحة ظلت عملياً شبه معطلة لسنوات طويلة بسبب الخصاص المهول في الموارد البشرية، حيث بقي المنصب شاغراً لما يقارب ثلاث سنوات كاملة، قبل أن يتم مؤخراً تعيين طبيبة للإشراف عليها.

لكن، وكأن المحمدية كتب عليها أن تعيش مع مسلسل الانتظار، وجدت المدينة نفسها من جديد أمام وضعية، لا تقل غرابة. فالطبيبة المعينة حديثاً توجد حالياً في عطلة مرضية، ولن تستأنف عملها إلا يوم 14 من الشهر المقبل، أي بعد فترة غياب تتجاوز شهراً كاملاً.

وبطبيعة الحال، لا أحد يمكنه أن يلوم إنساناً لأنه مرض. فالمرض، قدر قد يصيب أي شخص، والطبيبة لها كامل الحق في الاستفادة من عطلتها المرضية وفق ما يكفله القانون. لكن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بالطبيبة، بل بمنظومة بأكملها، تبدو وكأنها بنت خدماتها الصحية على فرضية أن أحداً لن يمرض، ولن يتغيب، ولن يتقاعد، ولن ينتقل إلى مدينة أخرى.

كيف يعقل أن يرتبط مصير مصلحة كاملة، بل واحتياجات مدينة بأكملها، بوجود شخص واحد فقط؟ وأين هي خطط التعويض والتدبير الاستباقي؟ وأين هي الحلول الاحتياطية التي من المفروض أن تكون جاهزة، لمواجهة مثل هذه الحالات العادية والطبيعية؟

في قاعة الانتظار بمستشفى مولاي عبد الله، تتكرر يومياً مشاهد تستحق التوقف عندها. مواطنون مسنون ينتظرون فحصاً مستعجلاً، مرضى السكري يحتاجون إلى مراقبة دورية لشبكية العين، أطفال يعانون من مشاكل بصرية تتطلب تدخلاً مبكراً، وأسر محدودة الدخل، لا تملك القدرة على تحمل تكاليف العيادات الخاصة، التي أصبحت أسعار بعضها، تتجاوز إمكانيات فئات واسعة من المواطنين.

هؤلاء لا يهمهم كثيراً من يوجد في عطلة، ومن عاد منها، ولا تعنيهم المراسلات الإدارية والاجتماعات البروتوكولية. ما يهمهم هو الحصول على حقهم الدستوري في العلاج داخل آجال معقولة، ودون أن يضطروا إلى التنقل نحو الدار البيضاء أو مدن أخرى، بحثاً عن موعد قد لا يجدونه بسهولة.

المثير للاستغراب أن المحمدية، ليست قرية نائية معزولة بين الجبال، ولا جماعة قروية صغيرة، يصعب استقطاب الأطباء إليها. نحن نتحدث عن مدينة كبرى، تقع بين العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء والعاصمة الإدارية الرباط، وتتوفر على مؤهلات تجعلها من أهم الحواضر المغربية. ومع ذلك، ما زالت تعاني من خصاص صارخ في عدد من التخصصات الطبية الأساسية.

وإذا كان قطاع الصحة، يعيش على المستوى الوطني إكراهات حقيقية مرتبطة بنقص الأطر الطبية، فإن ذلك لا يعفي المسؤولين من واجب التدبير العقلاني للموارد المتوفرة. فالمشكل لا يكمن دائماً في غياب الإمكانيات، بل أحياناً في غياب الرؤية والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.

لهذا فإن الأنظار تتجه اليوم إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ليس فقط من أجل إيجاد حل مؤقت لمشكلة طب العيون، بل أيضاً من أجل إعادة النظر في الوضع الصحي بالإقليم ككل. فالمحمدية تحتاج إلى مسؤولين ميدانيين، يتحركون بمنطق المصلحة العامة، ويضعون احتياجات المواطنين فوق كل اعتبار، ويعملون على سد الخصاص الذي تعاني منه المدينة في مختلف التخصصات الطبية.

فالمدينة لا تحتاج إلى تقارير مطولة، تشرح أسباب الأزمة بقدر ما تحتاج إلى مسؤولين وأطباء يباشرون عملهم، ومواعيد تحترم، وخدمات صحية تليق بكرامة المواطنين. أما أن تظل مدينة بأكملها، معلقة بعودة طبيبة واحدة من عطلتها المرضية، فذلك وضع يستحق أن يُدرّس كنموذج صارخ للهشاشة، التي تعاني منها بعض المرافق الصحية العمومية.

ويبقى السؤال الذي يطرحه المرضى كل يوم، وهم يغادرون المستشفى والمراكز الصحية التابعة له، بخيبة أمل جديدة: هل ستنتظر المحمدية دائماً عودة هذه الطبيبة أو تلك، أم أن الوقت، قد حان لبناء منظومة صحية قادرة على الاستمرار حتى عندما يمرض الأطباء أنفسهم؟ فالمواطن، في النهاية، لا يطلب المستحيل، بل يطلب فقط، أن يجد باب العلاج مفتوحاً عندما يحتاج إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.