الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الشأن المحليمجتمع

المحمدية وطنٌ مُصغّر.. الكلاب الضالة تتمدد في ظل مسؤولين تائهين

محمد سكوري

ليست الصورة الملتقطة من حي السعادة بالمحمدية مجرد مشهد عابر، ولا لقطة ظرفية، يمكن تجاوزها بتعليق عاطفي أو تبرير موسمي. إنها صورة تختزل واقعًا مقلقًا، وتضعنا أمام مرآة مدينة، كانت تُلقّب يومًا بـ”مدينة الزهور”، فإذا بها اليوم تتقاسم فضاءاتها مع الكلاب الضالة، في غياب رؤية واضحة، ومسؤولية ضائعة، وتدبير يبعث على القلق، أكثر مما يبعث على الطمأنينة.

حي السعادة… اسم جميل، لكنه لا يعكس ما يعيشه السكان يوميًا. فلا سعادة حيث الخوف، ولا طمأنينة حيث تتحول الأزقة والساحات الخضراء إلى نقاط تجمع لعشرات الكلاب الضالة، تتجول في مجموعات، تستقر قرب المنازل، المدارس، المساجد، والمرافق العمومية، في مشهد يزرع الرعب في نفوس الأطفال، والنساء، وكبار السن، وكل من يضطر للخروج في الصباح الباكر، أو العودة مع حلول الظلام.

الكلاب الضالة ليست مجرد حيوانات، تبحث عن مأوى أو لقمة عيش، بل هي، في هذا السياق، مؤشر خطير على اختلال عميق في تدبير الشأن المحلي. انتشارها العشوائي، يعكس فراغًا مؤسساتيًا، وغيابًا لسياسات وقائية مستدامة، ويطرح سؤالًا مشروعًا: من يحمي المواطن؟ ومن يضمن حقه في الأمن الصحي والنفسي؟

الرعب الذي يعيشه السكان ليس مبالغًا فيه. شهادات كثيرة تتحدث عن مطاردات، نباح متواصل ليلاً، حالات هلع لدى الأطفال، خوف من العضّ، وتوجس دائم من الإصابة بأمراض خطيرة، في مقدمتها داء السعار، إضافة إلى أمراض جلدية وتنفسية قد تنتقل عبر الاحتكاك غير المباشر أو عبر مخلفات هذه الحيوانات المنتشرة، في الفضاءات العامة.

الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع لم يعد استثناءً، بل أصبح قاعدة تتكرر في أحياء متعددة من المدينة. ومع تكرار المشهد، يتكرس الإحساس بأن المدينة، تُترك لمصيرها، وأن المواطن مطالب بالتعايش مع الخطر، بدل أن يُحمى منه. هنا، لا يمكن الحديث فقط عن كلاب ضالة، بل عن مسؤولية ضالة، عن قرارات مؤجلة، وملفات تُرحَّل من مكتب إلى آخر، دون حل جذري.

إن غياب حلول عملية، مثل إحداث مراكز إيواء، أو برامج تعقيم منظمة، أو شراكات مع جمعيات حماية الحيوانات، يكشف عن منطق تدبيري يُفضل رد الفعل بدل الفعل، ويكتفي بالترقيع بدل المعالجة. والنتيجة: مدينة تعيش تناقضًا صارخًا بين الخطاب الرسمي حول “جودة العيش”، والواقع اليومي الذي يفرضه الشارع.

المحمدية، في هذا المشهد، تبدو كـ”وطن مصغر”، حيث تتجلى مظاهر الاختلال التي يعرفها تدبير الشأن العام: فوضى في التنظيم، غياب للمحاسبة، وتراكم للأزمات الصغيرة التي تتحول، مع الزمن، إلى قنابل اجتماعية وصحية موقوتة.

إن الكلاب الضالة ليست هي المشكلة في حد ذاتها، بل المشكلة في من تركها دون تدبير، ودون رؤية، ودون إحساس بخطورة ما يقع. فحين يُترك حي أو مدينة بأكملها رهينة الخوف، وحين يصبح الخروج إلى الشارع مغامرة، فإن الأمر لم يعد مجرد إزعاج، بل مسًّا صريحًا بحقوق أساسية، على رأسها الحق في الأمن والسلامة.

وإلى أن تتحرك الجهات المعنية، سيظل حي السعادة، ومعه أحياء أخرى، شاهدًا حيًا على مفارقة مؤلمة: أسماء جميلة، وواقع قاسٍ، ومدينة تستحق أفضل مما تعيشه اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.