المحمدية: 12 حالة غش في مركز واحد… حين يتحول امتحان الاستحقاق إلى معركة ضد التحايل

ضربة قلم
إذا كانت المعطيات المتداولة صباح اليوم صحيحة، والمتعلقة بضبط 12 حالة غش في مركز الامتحان بثانوية ابن ياسين بالمحمدية، مع كون جميع المعنيين بالأمر ينتمون إلى مؤسسات التعليم الخصوصي، فإن الأمر لا يتعلق بحادثة عابرة يمكن المرور عليها مرور الكرام، بل بمؤشر يستحق الوقوف عنده، والتأمل في دلالاته التربوية والاجتماعية.
فاثنتا عشرة حالة غش في مركز واحد، ليست رقماً عادياً، خصوصاً ونحن نتحدث عن الامتحان الوطني الموحد، لنيل شهادة البكالوريا، ذلك الموعد الذي يفترض أن يكون تتويجاً لسنوات من الدراسة والاجتهاد، لا ساحة لاختبار أحدث وسائل التحايل والتلاعب.
ولكي نكون منصفين، فإن الحديث عن هذه الحالات لا يعني إطلاقاً إدانة التعليم الخصوصي ككل، فهناك مؤسسات خاصة محترمة تشتغل بجدية، وتحقق نتائج مشرفة بفضل العمل والانضباط والتأطير الجيد. غير أن تكرار بعض الوقائع من هذا النوع، يفرض طرح أسئلة حقيقية حول الضغوط التي يعيشها عدد من التلاميذ، وحول الثقافة التي أصبحت، تجعل من النقطة والميزة والرتبة أهدافاً، تتقدم أحياناً على المعرفة نفسها.
لقد أصبح النجاح عند البعض مشروعاً تجارياً أكثر منه مساراً تربوياً. فكل سنة تتنافس بعض المؤسسات على نشر نسب النجاح الخيالية، وتملأ واجهاتها بصور المتفوقين والمعدلات المرتفعة، وتتحول نتائج البكالوريا إلى مادة دعائية تستعمل لاستقطاب المزيد من الأسر. وفي خضم هذا السباق المحموم، يجد بعض التلاميذ أنفسهم تحت ضغط هائل، وكأن مستقبلهم كله معلق على نقطة إضافية أو ميزة أعلى.
وهنا تبدأ المشكلة.
حين يقتنع التلميذ بأن قيمته تختزل في معدل مرتفع، وحين تقتنع الأسرة بأن النجاح لا يقبل إلا بصيغة “امتياز”، وحين تصبح المؤسسة مطالبة بتحقيق أرقام قياسية كل سنة، فإن البعض قد يبدأ في البحث عن الطرق المختصرة، ولو كانت غير مشروعة.
والواقع أن الغش، لم يعد كما كان قبل سنوات. لم تعد القضية مرتبطة بورقة صغيرة مخبأة داخل الجيب أو كتابة بعض الكلمات على اليد. نحن اليوم أمام وسائل تقنية متطورة، وهواتف ذكية مصغرة، وسماعات دقيقة، وطرق جديدة للتحايل، تتطور بنفس السرعة التي تتطور بها وسائل المراقبة.
لكن المثير للانتباه في مثل هذه الوقائع، ليس فقط عدد الحالات المضبوطة، بل العدد الذي ربما لم يكن ليُضبط لولا تشديد المراقبة واعتماد إجراءات أكثر صرامة. فحين يتم اكتشاف هذا العدد في مركز واحد، فإن ذلك يعكس في المقابل يقظة لجان الحراسة والمراقبة التي أصبحت أكثر خبرة في التعامل مع أساليب الغش الحديثة.
إن ما يثير القلق أكثر من عدد الحالات المضبوطة، هو أن ظاهرة الغش نفسها، لم تعد سلوكا استثنائيا أو معزولا، كما كان الأمر في الماضي، بل أصبحت مع مرور السنوات معركة حقيقية تخوضها الدولة والمنظومة التعليمية، ضد أساليب تتطور باستمرار. فرغم تشديد المراقبة واعتماد وسائل تقنية حديثة وإجراءات زجرية صارمة، ما تزال الظاهرة حاضرة بقوة داخل بعض مراكز الامتحان. ولعل الأرقام الرسمية تكشف حجم الإشكال، بعدما أعلنت وزارة التربية الوطنية هذه السنة عن ضبط 4929 حالة غش خلال الامتحانات الجهوية للسنة الأولى بكالوريا، وهو رقم يؤكد أن المشكل أعمق من مجرد مخالفات فردية معزولة.
وتتداخل في هذه الظاهرة أسباب عديدة، بعضها تربوي وبعضها اجتماعي ونفسي. فهناك تلاميذ يعيشون تحت ضغط أسري هائل، حيث تتحول البكالوريا داخل بعض البيوت إلى معركة مصيرية لا تقبل سوى النجاح بمعدلات مرتفعة، وكأن قيمة الإنسان تختزل في نقطة أو ميزة. وهناك من تدفعه رهبة الرسوب والخوف من خيبة الأمل إلى البحث عن حلول سريعة بدل مواجهة الامتحان بثقة واستعداد حقيقي.
كما أن ضعف التكوين لدى بعض التلاميذ يجعلهم يدركون، في اللحظات الأخيرة، أن ما راكموه من معارف لا يكفي لاجتياز الاختبارات بالشكل المطلوب، فيلجؤون إلى وسائل ملتوية لتعويض ما فاتهم طوال الموسم الدراسي. ويضاف إلى ذلك تحول المدرسة لدى البعض من فضاء لاكتساب المعرفة إلى فضاء لصناعة النقط فقط، حيث أصبحت المعدلات المرتفعة أهم من الفهم الحقيقي للمواد الدراسية، وأصبحت الشهادة هدفا في حد ذاتها بدل أن تكون نتيجة طبيعية لمسار من التعلم والاجتهاد.
ولا يمكن أيضا تجاهل الدور الذي لعبته التكنولوجيا الحديثة في تعقيد المشهد، فوسائل الغش، لم تعد تقتصر على الأوراق الصغيرة التي كانت تستعمل في الماضي، بل أصبحت تشمل سماعات دقيقة وهواتف مصغرة وأدوات إلكترونية يصعب اكتشافها أحيانا. والأخطر من ذلك كله انتشار قناعة خاطئة لدى بعض المترشحين مفادها أن الغش أصبح أمرا عاديا وأن الجميع يمارسه، وهي فكرة خطيرة تدفع البعض إلى تبرير سلوكهم بدل الاعتراف بخطورته.
ومن هنا، فإن الحديث عن 12 حالة غش تم ضبطها داخل مركز واحد بالمحمدية لا ينبغي أن ينحصر في الجانب الزجري فقط، بل يجب أن يدفعنا إلى طرح أسئلة أعمق حول الأسباب الحقيقية التي تجعل بعض التلاميذ يفضلون المخاطرة بمستقبلهم الدراسي على أن يواجهوا الامتحان بما راكموه من معرفة وجهد. فالمشكل لا يكمن فقط في الوسيلة المستعملة للغش، بل في العقلية التي تجعل النجاح بأي ثمن أهم من الاستحقاق، وتجعل النقطة أهم من العلم، والشهادة أهم من الكفاءة.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي ليس فقط في ضبط الغشاشين ومعاقبتهم، بل في إعادة الاعتبار لقيم الاجتهاد والنزاهة وتكافؤ الفرص، حتى يقتنع الجميع بأن النجاح الذي يُبنى على المعرفة، قد يكون أبطأ، لكنه وحده القادر على الصمود، عندما تنتهي الامتحانات وتبدأ امتحانات الحياة الحقيقية.
ومن المؤسف أن بعض التلاميذ ما زالوا يعتقدون أن شهادة البكالوريا، مجرد ورقة يجب الحصول عليها بأي وسيلة كانت، بينما الحقيقة أن قيمة الشهادة، لا تكمن في الحبر المطبوع عليها، بل في الجهد الذي أوصل صاحبها إليها.
فالطبيب الذي يغش في البكالوريا، قد يغش لاحقاً في كلية الطب، والمهندس الذي اعتاد التحايل في الامتحانات، قد يحمل معه العقلية نفسها إلى مهنته، وهنا يصبح الأمر قضية مجتمع بأكمله، لا مجرد مخالفة داخل قاعة امتحان.
الأخطر من ذلك أن الغش لا يسرق فقط حق المؤسسة أو الدولة، بل يسرق قبل كل شيء حق التلميذ المجتهد الذي قضى أشهراً طويلة بين الكتب والدفاتر، وسهر الليالي استعداداً لهذا الموعد المصيري. ذلك التلميذ الذي دخل قاعة الامتحان مسلحاً بالمعرفة وحدها، بينما دخل آخرون، وهم يراهنون على وسائل ملتوية للحصول على النتيجة نفسها.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية، ليست ضد الغشاش فقط، بل ضد العقلية التي تبرر الغش وتعتبره نوعاً من “الذكاء” أو “الشطارة”. فليس ذكياً من ينجح بالحيلة، بل ذكياً من يستطيع مواجهة الامتحان، بما اكتسبه من علم ومعرفة وثقة في النفس.
وقد تكون واقعة المحمدية، إن تأكدت تفاصيلها كاملة، مناسبة لفتح نقاش أوسع حول العلاقة التي أصبحت تربط جزءاً من المجتمع بالنجاح المدرسي. هل ما زلنا نعتبر المدرسة فضاء للتعلم وبناء الشخصية؟ أم أنها تحولت لدى البعض إلى مصنع للنقط والشهادات فقط؟
لأن المغرب لا يحتاج إلى أجيال تتقن الغش أكثر مما تتقن التفكير، ولا إلى حاملي شواهد ورقية فارغة من الكفاءة، بل يحتاج إلى شباب يؤمن بأن الاجتهاد، مهما كان متعباً، يظل الطريق الأقصر نحو النجاح الحقيقي. يجب على الشباب المغربي أن يدركوا أهمية تعزيز مهاراتهم ومعارفهم من خلال التعلم المستمر والاجتهاد في مجالاتهم المتنوعة. إن بناء مجتمع قوي يعتمد على الكفاءة والابتكار يتطلب جيلًا ملتزمًا بقيم العمل الجاد والمثابرة. كما أن الاستثمار في التعليم الجيد والتدريب العملي يسهم في خلق فرص عمل مستدامة ويعزز من تنافسية المغرب على الساحة العالمية. وبالتالي، فإن تحقيق التقدم يتطلب منا جميعًا العمل بروح التعاون والتفاني لتحقيق الأهداف المنشودة.





https://shorturl.fm/DDuij