الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

المحمدية: 200 مليون سنتيم لشراء الطريق نحو البرلمان… والوطن في قاعة الانتظار!

ضربة قلم

في بلد يفترض أن تكون فيه الانتخابات، محطة للتنافس بين البرامج والأفكار والكفاءات، أصبح الحديث في بعض الكواليس السياسية يشبه أحاديث أسواق الماشية، أكثر مما يشبه النقاش الديمقراطي. فبدل أن يكون السؤال: “ماذا ستقدم للناس؟”، أصبح السؤال المتداول: “كم ستدفع؟”.

وإذا كانت الأخبار المتداولة حول إحدى الحالات بمدينة المحمدية صحيحة، فإننا لا نكون أمام استحقاقات انتخابية بقدر ما نكون أمام مزاد علني متنقل، يصلح أكثر لأن يُدرّس في مادة “السمسرة السياسية” بدل العلوم السياسية. فالراغب في الحصول على التزكية لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، يُقال إنه دفع ما يقارب 100 مليون سنتيم، بينما حصل المنافس الذي انسحب من السباق على المبلغ نفسه، ليصبح المجموع 200 مليون سنتيم بين ثمن الدخول وثمن الخروج، وكأن الأمر يتعلق بصفقة عقارية فاخرة، لا بعملية يفترض أنها ديمقراطية. واحد يشتري حق الترشح، وآخر يقبض ثمن التنازل، والحزب يتحول إلى وكالة للوساطة السياسية، فيما تُركت شعارات التأطير والدفاع عن مصالح المواطنين معلقة على الجدران تنتظر من يقرأها. أما المواطن البسيط، الذي لا يجد أحياناً ثمن الدواء أو فاتورة الماء والكهرباء، فيُطلب منه بعد ذلك أن يصدق أن كل هذه الملايين صُرفت فقط من أجل “خدمة الوطن” و”التضحية من أجل الصالح العام”، وكأن الوطنية أصبحت مشروعاً استثمارياً يحتاج إلى رأسمال ضخم قبل أن يبدأ في تحقيق الأرباح. إنها فعلاً صورة تختصر جانباً من العبث الذي يجعل الناس يضحكون من هول ما يسمعون، ثم يبكون عندما يدركون أن من يفترض أن يمثلهم قد وصل إلى الواجهة عبر منطق السوق لا عبر منطق الكفاءة والبرامج والأفكار.

إننا -وكما ذكرنا- أمام واقع يبكي ويضحك في الوقت نفسه. يبكي لأن السياسة، التي يفترض أن تكون وسيلة للإصلاح وخدمة الصالح العام، تحولت عند البعض إلى سوق مفتوح للمزايدات والمصالح. ويضحك لأن الخطابات التي ترفع شعارات النزاهة والشفافية والديمقراطية تتبخر بسرعة قياسية، عندما يتعلق الأمر بالكواليس والحسابات الانتخابية.

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كان الوصول إلى باب البرلمان، يحتاج إلى كل هذه الأموال، ناهيك عن الأموال الأخرى التي تُصرف هنا وهناك لاستمالة فئة من الناخبين أو إقناع المترددين أو تحريك الآلة الانتخابية، فمن أين سيسترجع صاحبها ما أنفقه؟ وهل يعقل أن يضخ شخص مئات الملايين من السنتيمات، وربما أكثر، ثم يكتفي بعد الفوز بمقعد مريح، تحت قبة البرلمان، يرفع يده عند التصويت، ويستمع إلى المداخلات، ويصفق بين الفينة والأخرى، قبل أن يعود إلى منزله مكتفياً بشرف تمثيل الأمة؟ أم أن الأمر أقرب إلى مشروع استثماري ضخم، تُحسب فيه المصاريف بدقة وتُنتظر منه عوائد مستقبلية بأشكال مختلفة؟ فحتى أبسط قواعد المنطق تقول إن من ينفق ثروة للوصول إلى موقع معين لا يفعل ذلك عادة بدافع الهواية أو حب الظهور فقط، بل لأنه يرى في ذلك الموقع قيمة مضافة، تستحق كل تلك التكاليف. وهنا تحديداً تبدأ علامات الاستفهام في التكاثر أكثر من الوعود الانتخابية نفسها، ويصبح المواطن البسيط مطالباً بأن يصدق، دون أن يطرح أي سؤال، أن كل تلك الملايين قد صُرفت فقط من أجل خدمة الصالح العام، تماماً كما يُطلب منه أن يصدق أن بعض المرشحين يستيقظون فجأة كل خمس سنوات وقد اشتعلت في قلوبهم نار حب الوطن، إلى درجة تدفعهم إلى إنفاق ثروات طائلة، دون انتظار أي مقابل. إنها رواية جميلة حقاً، لكنها للأسف تزداد صعوبة في التصديق، كلما ارتفعت قيمة الفاتورة الانتخابية.

المؤلم أكثر هو الرسالة التي تصل إلى الشباب والكفاءات وأصحاب الأفكار الحقيقية. فهؤلاء يكتشفون أن الاجتهاد والمعرفة والنضال الميداني، قد لا تكون كافية، وأن الطريق قد يصبح مفتوحًا أكثر، أمام أصحاب الشيكات والحقائب الممتلئة. وعندما تترسخ هذه القناعة، يصبح العزوف السياسي نتيجة طبيعية، لأن المباراة، تبدو محسومة قبل أن تنطلق صافرة البداية.

لقد كانت الشعوب، تحلم بأن يمثلها العلماء والمفكرون وأصحاب التجارب الناجحة والكفاءات القادرة على اقتراح الحلول. أما في بعض النماذج التي تطفو على السطح اليوم، فيبدو أن السماسرة وتجار الأوهام، أصبحوا الأكثر قدرة على احتلال الواجهة، بينما يتراجع أصحاب الكفاءة إلى المقاعد الخلفية، يتابعون المشهد بدهشة، لا تقل عن دهشة المواطن العادي.

والأدهى من ذلك أن الجميع يتحدث عن الإصلاح السياسي، وعن تجديد النخب، وعن ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكن الواقع أحيانًا يقدم صورة مختلفة تمامًا؛ صورة تجعل المواطن يتساءل: هل نحن أمام منافسة انتخابية فعلًا، أم أمام مزاد علني كبير لا ينقصه سوى مطرقة السمسار للإعلان عن الفائز؟

لذلك، لم يعد غريبًا أن يشعر كثير من الناس، بأنهم يعيشون داخل قاعة انتظار طويلة جدًا. قاعة انتظار يدخلها جيل ويغادرها جيل آخر، بينما الوعود نفسها تتكرر، والخطابات نفسها تعاد، والوجوه نفسها تعود بألوان وشعارات مختلفة. أما النهاية، فلا أحد يعرف موعدها. فكلما ظن المواطن أن باب الخروج اقترب، اكتشف أنه انتقل فقط من قاعة انتظار إلى أخرى أكبر منها.

ويبقى السؤال معلقًا في الهواء: كيف يمكن لوطن يزخر بالكفاءات والطاقات، أن ينهض فعلًا إذا كانت السياسة تتحول تدريجيًا إلى امتياز، لمن يملك القدرة على الدفع أكثر؟ وكيف يمكن إقناع المواطنين بجدوى المشاركة والثقة في المؤسسات، إذا كان المال هو اللغة الوحيدة التي يفهمها بعض محترفي الانتخابات؟

إلى أن نجد جوابًا مقنعًا، يبدو أن المغاربة سيواصلون الجلوس في قاعة الانتظار، يراقبون العرض نفسه، يتكرر موسمًا بعد موسم، مع تغيير بسيط في الديكور والأسماء، بينما يبقى السيناريو الأصلي كما هو: الكثير من الضجيج، والكثير من الوعود، والكثير من السماسرة… وقليل جدًا من الأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.