
ضربة قلم
قرأنا في إحدى الصفحات، على موقع فيسبوك نصاً يبدو، من لغته ونبرته، أنه صادر عن أستاذ، أو على الأقل عن شخص قريب من عالم التعليم. نصٌّ يعبّر عن تخوّف قديم، يتجدد كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية: الخشية من أن تعود حليمة إلى عاداتها القديمة، وأن يتحول رجل التعليم – مرة أخرى – إلى أقصر حائط يمكن القفز عليه، حين تحتدم حسابات السياسة في القرى والبوادي.
صاحب التدوينة، يرسم صورة مألوفة في بعض المناطق القروية: مع اقتراب الانتخابات، تتكاثر الشكايات، وتشتد الضغوط على الإدارة التربوية، ويُستدرج بعض السكان، إلى صراعات لا علاقة لها بجوهر العملية التعليمية. فجأة تصبح المدرسة، ساحة غير معلنة لتصفية الحسابات بين الأعيان، ويجد الأستاذ نفسه، في قلب معركة لم يخترها، معركة النفوذ والوجاهة واستعراض القوة أمام الناخبين.
الفكرة التي يحملها النص في جوهرها، ليست بعيدة عن الواقع. فالانتخابات في بعض المجالات القروية، لا تدور فقط حول البرامج والأفكار، بل كثيراً ما تمر عبر شبكات النفوذ المحلية، حيث تتقاطع المصالح العائلية والاقتصادية والسياسية. وفي مثل هذا المناخ، قد تتحول مؤسسات عمومية عديدة، إلى أوراق في لعبة التوازنات، والمدرسة ليست دائماً بمنأى عن ذلك.
غير أن القراءة المتأنية للنص، تفرض أيضاً قدراً من التحفظ. فليس كل توتر يقع حول مدرسة قروية، يمكن تفسيره بالسياسة أو بالانتخابات. فالعالم القروي يعيش بدوره تحولات وضغوطاً اجتماعية واقتصادية كبيرة، والمدرسة القروية تعاني منذ سنوات من مشاكل حقيقية: خصاص في الموارد، بعد المسافات، ضعف البنية التحتية، وأحياناً غياب التواصل السلس بين المؤسسة التعليمية والأسر.
لهذا قد تكون بعض الشكايات أو الاحتجاجات، نابعة من مشاكل فعلية، وليس بالضرورة من تحريض انتخابي. اختزال كل هذه التوترات في لعبة الأعيان قد يريح الضمير، لكنه لا يشرح الصورة كاملة.
ومع ذلك، تبقى الرسالة الأساسية في التدوينة جديرة بالانتباه: حين تتحول المدرسة إلى ورقة انتخابية، فإن أول من يدفع الثمن هم أبناء القرى أنفسهم. لأن المدرسة في الأصل، ليست منصة للدعاية، ولا مجالاً لقياس موازين القوة بين المتنافسين، بل فضاء لبناء المعرفة والوعي.
ربما يكون الحل، كما يوحي النص، وكما تؤكد التجارب، في إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة، لكنها أساسية: المدرسة القروية، ليست ملكاً لمرشح، ولا لأعيان، ولا حتى لإدارة بعينها، بل هي ملك للمجتمع كله. وحمايتها من التوظيف السياسي، إن وقع، ليست مسؤولية الأستاذ وحده، بل مسؤولية جماعية، تبدأ بوعي السكان أنفسهم، وتنتهي باحترام المؤسسات لرسالتها التربوية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يلوح بين سطور تلك التدوينة: هل تعلمنا فعلاً من تجارب الماضي، أم أن بعض المواسم الانتخابية، ما زالت قادرة على إعادة المشهد القديم نفسه… حيث يصبح الأستاذ، مرة أخرى، الحلقة الأضعف، في معركة لا علاقة لها بالطبشور ولا بالسبورة؟




