الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المدينة التي أكلت أبناءها

م-ص

لم تكن مدينتنا يومًا بهذا الاتساع.
كانت صغيرة، بما يكفي لتشبه قرية كبيرة، يعرف الناس فيها بعضهم بعضًا، وتتشابك العلاقات، كما تتشابك أزقة الأحياء القديمة. كان الطموح بسيطًا، والعمل شاقًا، لكن الإحساس بالانتماء، كان واضحًا لا يحتاج إلى تعريف.

ثم تغيّرت الملامح.
توسّعت الأحياء، ارتفعت البنايات، تضاعف عدد السكان، ودخلت أنماط جديدة، من العيش والتفكير. هذا التحوّل لم يكن سيئًا في حدّ ذاته، فالتطوّر سنّة المدن، والهجرة الداخلية والخارجية، حقّ طبيعي لكل من يبحث عن فرصة أفضل. المدينة بطبيعتها فضاء مفتوح، لا يملكه أحد دون غيره، ولا يحتكر خيره جيل دون آخر.

لكن بين التحوّل المشروع والانزلاق غير المحسوب، مسافة مؤلمة.

مع اتساع المدينة، بدأت تتسع معها الفجوة بين الحلم والواقع. صار الوصول إلى العمل الكريم أكثر صعوبة، وازدادت المنافسة حدّة في كل القطاعات. في الإدارات، في الأسواق، في المقاولات، وحتى في المبادرات الاجتماعية، أصبح منطق السرعة في الصعود يغري البعض بتجاوز القيم، التي كانت تضبط الإيقاع العام للحياة.

ليس الأمر صراعًا بين أبناء المدينة والوافدين إليها، فالجميع أصبحوا أبناءها، بحكم العيش المشترك. المشكلة أعمق من ذلك. إنها أزمة مناخ عام، سمح أحيانًا بانتشار ثقافة الانتهازية، حيث تغلب المصلحة الفردية الضيقة، على فكرة الصالح العام، وحيث يُقاس النجاح أحيانًا، بحجم المكسب لا بنظافة الوسيلة.

الهجرة، التي كانت قديمًا حلمًا بفضاء أوسع، صارت عند كثيرين خيارًا اضطراريًا. شباب يغادرون بحثًا عن أفق مهني لا يجدونه هنا، وعائلات تودّع أبناءها، على أمل أن يعودوا يومًا، بما يعيد التوازن إلى البيت. بعضهم ينجح، وبعضهم يذوب في مدن أخرى، وفي دول أخرى، لكن المدينة الأم، تبقى تحمل أثر غيابهم. شوارع تعرف خطاهم، ومقاعد كانت تحفظ أحاديثهم، وذكريات معلّقة بين الأمس واليوم.

وفي المقابل، من بقي يحاول أن يتكيّف. يحاول أن يجد مكانًا في هذا الزحام، وأن يحافظ على قدر من النزاهة، وسط سباق محموم. هناك قصص كفاح صامتة لا تُروى، وأشخاص يعملون بجدّ دون ضجيج، لكن أصواتهم تخفت أحيانًا، أمام صخب من يجيدون تسويق أنفسهم، أكثر مما يجيدون خدمة مدينتهم.

المدينة التي “أكلت أبناءها” ليست وحشًا حقيقيًا، بل صورة مجازية لواقع معقّد. هي مدينة كبرت بسرعة أكبر من قدرتها على الاحتفاظ بروحها الأولى. توسّعت عمرانًا، لكنها لم تحمِ دائمًا نسيجها الأخلاقي والاجتماعي بالقدر الكافي. صار بعض أبنائها يشعرون بالغربة فيها، رغم أنهم لم يغادروها يومًا.

ومع ذلك، لا يمكن اختزالها في صورة قاتمة فقط. فالمدن لا تُدان بالكامل، كما لا تُبرَّأ بالكامل. هي مرآة لسلوك سكانها، وانعكاس لاختياراتهم. إذا انتشرت فيها مظاهر الوصولية، فهناك أيضًا نماذج مضيئة، تثبت أن النجاح يمكن أن يكون نظيفًا، وأن الطموح لا يتعارض مع القيم.

ربما لا تحتاج هذه المدينة، أن تعود صغيرة، فذلك مستحيل. لكنها تحتاج أن تعيد تعريف معنى الكِبَر. أن يكون الاتساع فرصة للعدالة لا للفوضى، وأن تكون المنافسة، حافزًا للإبداع لا مبررًا لإقصاء الآخرين. تحتاج أن تتذكّر أن أبناءها، ليسوا أرقامًا في إحصاءات النمو، بل بشرًا يحملون أحلامًا وهشاشة وأملًا.

حينها فقط، يمكن أن تتحوّل من مدينة تبتلع أبناءها، إلى مدينة تحتضنهم.
وحينها، لن يكون الصدى هو ما يعود من الراحلين، بل الحنين، وربما… العودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.