الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المرشحون لأن يصبحوا منحرفين!

ضربة قلم

قد يقرأ البعض العنوان فيعتقد، للوهلة الأولى، أننا بصدد الحديث عن المرشحين للانتخابات التشريعية المقبلة، وأن المقال سيتناول الذين يستعدون لطرق الأبواب، وتوزيع الابتسامات، ومصافحة الجميع، واكتشاف الأحياء الشعبية فجأة، بعد سنوات من الغياب.

لكن لا، اطمئنوا…

لسنا نتحدث عن أولئك المرشحين، فلكل موسم انتخابي منحرفاته الخاصة، ولكل ناخب قصته مع الوعود التي تبدأ بـ«سنفعل» وتنتهي عادة بـ«لم نكن نقصد ذلك تماماً».

حديثنا هنا عن مرشحين آخرين، لا يملكون بطاقات انتخابية، ولا برامج حزبية، ولا مقرات للحملات، لكنهم يملكون شيئاً آخر: أزقة كاملة تحت تصرفهم، وكرات قدم، وحناجر لا تعرف الصمت، وساعات طويلة من الفراغ، وأبواب منازل تحولت رغماً عن أصحابها إلى مرمى رسمي لدوري الحومة!

إنهم الأطفال والقاصرون الذين يتركون أحياناً، دون تأطير أو مراقبة أو بدائل مناسبة، ثم نستيقظ بعد سنوات لنسأل، بكل جدية وطنية:

كيف وصل هؤلاء إلى هنا؟

وكأنهم هبطوا من كوكب آخر!

العطلة عند البعض: إعلان استقلال عن الأسرة!

ما إن تبدأ العطلة حتى يبدو أن بعض الأسر تصدر، دون أن تعلم، قراراً غير مكتوب يقول:

«أيها الأبناء، لقد انتهت الدراسة… والآن أنتم أحرار في الشوارع حتى إشعار آخر!»

يخرج الصغار إلى الأزقة منذ ساعات المساء الأولى، ثم تبدأ المباراة التي لا يعرف أحد متى تنتهي.

الكرة تضرب الباب.

ثم الجدار.

ثم نافذة الجيران.

ثم يعود صاحب الكرة ليصرخ:

«ماشي أنا!»

وبعد دقائق يبدأ النقاش حول من تسبب في خروج الكرة، فيتحول الزقاق إلى ملعب، والمدربون إلى أطفال في العاشرة، والحكام إلى أطفال في الثانية عشرة، والجمهور إلى سكان الحي، الذين لم يطلبوا أصلاً تذكرة لحضور المباراة.

والأجمل من ذلك أن المباراة، لا تخضع لأي توقيت.

فالعاشرة ليلاً مناسبة.

والحادية عشرة مناسبة.

ومن يدري؟ ربما منتصف الليل هو أفضل توقيت، لاكتشاف مواهب كروية جديدة!

أما السكان الذين يرغبون في النوم، فعليهم أن يفهموا، أن لديهم مشكلة في تقدير المواهب الوطنية.

باب المنزل… المرمى الرسمي للحومة

في كثير من الأزقة، لم يعد باب المنزل مجرد باب.

لقد تمت ترقيته دون استشارة صاحبه إلى وظيفة جديدة:

مرمى لكرة القدم.

صاحب المنزل قد يكون قد دفع ثمن الباب من ماله، وطلاءه من ماله، وإصلاحه من ماله، لكنه في النهاية، يكتشف أن الملكية الخاصة شيء، وأن قوانين دوري الحومة شيء آخر!

كلما خرج أحد السكان من منزله، وجد الكرة في وجهه.

وكلما حاول الدخول، وجد مباراة جارية.

وإذا تجرأ على الاعتراض، فقد يبدو وكأنه وقف ضد الرياضة الوطنية، وضد مستقبل المنتخب!

والغريب أن هؤلاء الأطفال، لو وجدوا ملعباً مناسباً أو نادياً رياضياً مفتوحاً أو فضاءً يؤطرهم، لكان الأمر مختلفاً تماماً. فالطفل الذي يملك طاقة، يحتاج إلى مكان يفرغها فيه، لا إلى زقاق ضيق، يتحول كل مساء إلى ساحة صراخ ونزاعات.

المشكلة ليست في الكرة.

المشكلة في أن المجتمع أحياناً يترك الطفل وحده، ثم يغضب من الطريقة التي يقضي بها طفولته.

وماذا عن الصغيرات اللواتي يسمعن كل شيء؟

في الجانب الآخر من المشهد، توجد فتيات صغيرات، يضطررن إلى الجلوس في محيط، يسمعن فيه كلمات لا تناسب أعمارهن، ومشاحنات لا يفهمن أسبابها، وصراخاً وعبارات ساقطة، أصبحت تتكرر، وكأنها جزء عادي من الحياة اليومية.

وهنا لا يمكن أن نتصرف، وكأن الأمر لا يعني أحداً.

فالطفل، يتعلم قبل أن يفهم.

يسمع، قبل أن يحلل.

ويقلد قبل أن يعرف، إن كان ما يقلده، صحيحاً أم خاطئاً.

ثم بعد سنوات، عندما تظهر نتائج هذا المحيط، يبدأ الجميع في لعب دور الخبير الاجتماعي:

«الجيل تبدل!»

نعم، تبدل… لكن من الذي تركه يتربى في الشارع؟

ومن الذي غاب عن الحوار والتوجيه؟

ومن الذي اعتبر أن التربية، تنتهي عند توفير الطعام والملابس؟

الأبوة والأمومة ليستا مجرد لقب في دفتر الحالة المدنية

أن تكون أباً أو أماً، لا يعني فقط أن يكون لك ابن أو ابنة.

التربية مسؤولية يومية، وليست خدمة موسمية.

وليست وظيفة، تبدأ عند إعلان نتائج الامتحانات، وتنتهي بمجرد خروج الطفل إلى الزقاق.

والأمر لا يتعلق بالدعوة إلى حبس الأطفال داخل المنازل، فالأطفال يحتاجون إلى اللعب والحركة والاختلاط والرياضة والمرح. لكن بين اللعب الطبيعي وبين ترك القاصر ساعات طويلة، دون توجيه أو متابعة، توجد مسافة كبيرة.

فالحرية شيء.

والإهمال شيء آخر.

والطفل الذي لا يجد من يضع له حدوداً معقولة، قد يبحث بنفسه عن حدود جديدة، وقد يجدها في الشارع، وسط رفاق لا يعرفون بدورهم، أين تنتهي الحرية، وأين تبدأ مسؤولية الآخرين.

وهنا نصل إلى تلك العبارة القديمة، التي يبدو أنها، لا تزال صالحة رغم مرور الزمن:

فاقد الشيء لا يعطيه.

فكيف نطالب أباً، لم يتعلم معنى الحوار، بأن يحاور أبناءه؟

وكيف ننتظر من أم، لم تجد في حياتها من يوجهها، أن تعرف وحدها كل قواعد التربية؟

وكيف نلوم أسرة لا تقرأ ولا تسأل ولا تهتم، بما يحدث حولها، ثم نستغرب أن ينشأ أبناؤها داخل الدائرة نفسها؟

إن التربية ليست شهادة جامعية، لكنها تحتاج إلى وعي ومسؤولية ورغبة حقيقية في التعلم.

حين يصبح الشارع مدرسة بلا مدير

الشارع، في حد ذاته، ليس عدواً.

لكن عندما يصبح هو المدرسة الوحيدة، بعد المدرسة الرسمية، تصبح المشكلة أكبر.

فالطفل يخرج من القسم، ثم يدخل إلى «القسم الثاني»: الزقاق.

هناك يتعلم كلمات جديدة.

وقوانين جديدة.

وأساليب جديدة في التعامل.

وقد يجد من يكبره سناً، فيقلده.

ثم يأتي من يقول:

«إنه مجرد طفل!»

نعم، هو طفل.

ولهذا بالضبط، يجب أن نهتم به الآن، لا بعد سنوات، عندما يصبح التدخل أكثر صعوبة.

فالمجتمع لا يصنع مشاكله فجأة.

إنها تبدأ أحياناً بأشياء صغيرة جداً: طفل يقضي ساعات طويلة دون متابعة، مدرسة لا تقدم أنشطة كافية، حي بلا فضاءات رياضية، أسرة غائبة، وجيران يفضلون الصمت، لأن كل واحد يقول:

«ماشي شغلي».

ثم يصبح الأمر، بعد سنوات، شأن الجميع.

أين الأندية؟ وأين الفضاءات؟

من السهل جداً أن نقول للأطفال:

«لا تلعبوا هنا!»

لكن السؤال المنطقي هو:

أين يلعبون إذن؟

إذا كانت الأحياء تفتقر إلى ملاعب حقيقية، وإذا كانت الأندية الرياضية غير متاحة للجميع، وإذا كانت المساحات العمومية محدودة، فلا ينبغي أن نندهش، عندما يتحول كل متر فارغ إلى ملعب.

لكن هذا لا يعفي الأسر من مسؤوليتها.

بل يعني أن المسؤولية مشتركة، بين الأسرة والمؤسسات والجماعات المحلية والمجتمع.

فالطفل الذي يملك موهبة في كرة القدم، يحتاج إلى ناد ومدرب وتأطير.

وقد يكون بين هؤلاء الأطفال لاعب موهوب فعلاً، لكن الموهبة وحدها لا تكفي.

بينما في الزقاق، المدرب هو أكبر طفل سناً، والحكم هو صاحب الكرة، وقانون المباراة، يتغير حسب مزاج الفريق الذي يخسر!

شرطة القرب… أم شرطة النوم؟

وفي بعض المناطق، قد يتساءل السكان عن دور مراقبة الإزعاج المتكرر في الأزقة، خصوصاً عندما يتحول الأمر إلى ضوضاء ليلية، تمس راحة السكان.

فالناس من حقهم في فضاءات هادئة.

ومن حق الأطفال في اللعب أيضاً.

لكن تنظيم الحياة المشتركة هو الحل، وليس أن يتحول الحي إلى مكان، يفعل فيه كل شخص ما يشاء في الوقت الذي يشاء.

لا أحد يريد أن يرى طفلاً، يُعامل كمجرم لأنه يلعب بالكرة.

لكن لا أحد يريد أيضاً، أن يصبح السكان رهائن لمباراة، تبدأ مساءً ولا يعرفون متى ستنتهي.

المطلوب هو التوازن.

وهو، للأسف، كلمة جميلة نحب استعمالها في الخطب، أكثر مما نحب تطبيقها في الواقع!

قبل أن نصنع «منحرفين» ثم نبحث عن المذنب

المقصود من هذا العنوان، ليس وصم الأطفال أو الحكم عليهم مسبقاً، فهؤلاء ليسوا منحرفين، ولا ينبغي التعامل معهم بهذه الصفة.

بل إن الخطر الحقيقي، هو أن نترك الظروف تتراكم حولهم، ثم ننتظر منهم أن يصنعوا المعجزات وحدهم.

الطفل يحتاج إلى من يسمعه.

وإلى من يراقب مساره، دون خنقه.

وإلى من يعلمه احترام الآخرين.

وإلى ملعب، بدل باب الجيران.

وإلى نادٍ، بدل زقاق يتحول إلى فضاء للفوضى.

وإلى أسرة، تدرك أن التربية، لا تعني فقط أن تقول:

«سير لعب برا!»

ثم تغلق الباب وتعتبر أن المهمة انتهت.

فالمجتمع الذي يهمل طفولته، لا يحق له أن يتفاجأ بشبابه.

والأسرة التي تترك أبناءها نهاراً وليلاً، دون توجيه، لا ينبغي أن تنتظر من الشارع أن يعيدهم إليها نسخة مثالية.

حين كنا صغاراً، كانت أمهاتنا، وإن كنّ أميات في كثير من الأحيان، متربيات على الحياء والخوف على أبنائهن، ويحرصن على احترام حرمة الجوار وحدود الأدب. كنا نعود إلى بيوتنا باكراً، ونخشى حلول الظلام، ولم يكن السهر في الأزقة إلى ساعات متأخرة وإزعاج الناس أمراً عادياً أو مقبولاً. كانت الأم تراقب أبناءها، تخاف عليهم من رفاق السوء، ومن كل ما قد يهدد سلامتهم أو يفسد أخلاقهم، وكانت تضع مستقبلهم قبل أي شيء آخر.

أما اليوم، فقد تغيرت أشياء كثيرة. فبدل أن ينشغل بعض الآباء والأمهات بتربية أبنائهم وتعليمهم الاحترام والانضباط، أصبحنا نرى من يفتخر أحياناً بسلوكات كان الأهل بالأمس، يعتبرونها عيباً وفضيحة، وكأن ارتفاع الصوت، واستعراض الغضلات القصديرية، والكلام الساقط، والتحدي، وقلة الاحترام أصبحت علامات على «الشخصية القوية». بل إن بعض الأمهات، قد ينشغلن بإثبات حضور أبنائهن أمام الآخرين والافتخار بتصرفاتهم، قبل أن يسألن أنفسهن: هل نربي أبناءنا فعلاً، أم نتركهم للشارع ليتعلموا منه كل شيء، ثم نفتخر بسوء ما تعلموه، ونكتشف متأخرين، أننا كنا نُعدّهم، خطوة بعد أخرى، ليصبحوا مرشحين للانحراف؟

فماذا فعلنا عندما كانوا أطفالاً؟

لأن الطفل، لا يستيقظ ذات صباح، وقد قرر أن يكون مشكلة للمجتمع.

أحياناً، وبكل بساطة، يكون المجتمع، قد تركه طويلاً دون توجيه، ودون قدوة، ودون فضاء آمن، ثم عاد ليحاسبه، عندما كبر على أخطاء، ساهم الكبار أنفسهم، في صنع أسبابها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.