الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المريض كيمرض… والجيب كيتحلب! حكاية صادمة من داخل مصحة مغربية

ضربة قلم

يحكي عبد العزيز، وهو واحد من أبناء المحمدية، قصة تختصر، بكل ما فيها من مرارة وسخرية سوداء، الفرق بين أن تدخل مستشفى باعتبارك إنساناً يحتاج إلى العلاج، وأن تدخل مصحة في مكان آخر باعتبارك محفظة تحتاج إلى فتح.

عبد العزيز، الذي قضى سنوات طويلة من عمره، يشتغل بحاراً على متن سفن دولية متخصصة في نقل السلع والمواد الكيماوية، يعرف جيداً معنى أن يكون الإنسان بعيداً عن بلده، وأن يجد نفسه فجأة، في مواجهة المرض، في بلد لا يتحدث لغته ولا يعرف نظامه الصحي ولا يملك فيه، بالضرورة، سنداً عائلياً أو اجتماعياً.

يقول إن المرض ألمّ به ذات يوم في هولندا، فلم يكن أمامه وقت للبحث عن مصير الملف الطبي، ولا عن اسم الطبيب، ولا عن ثمن الغرفة، ولا عن سؤال من سيؤدي الفاتورة.

المرض كان مستعجلاً.

فنُقل على وجه السرعة إلى أحد المستشفيات، حيث مكث ثلاث ليالٍ تحت الرعاية الطبية.

وفي اليوم الرابع، حدث شيء يعتبره عبد العزيز اليوم، من أكثر التفاصيل التي بقيت عالقة في ذاكرته.

اتصلت إدارة المستشفى بالشركة التي كان يشتغل فيها، من أجل تسوية الأمور المالية والإدارية بسلاسة.

وهنا تبدأ المقارنة التي لا يحتاج فيها المرء، إلى كثير من الخيال.

لا أحد وقف عند باب المستشفى ليقول له:
أين المال؟

لم يظهر له أحد بورقة، تحمل أرقاماً قبل أن يسأله عن حالته الصحية.

لم يطلب منه أحد شيكاً موقعاً على بياض، وكأن المريض دخل إلى المستشفى في حالة غيبوبة، لكن مطلوب منه، مع ذلك، أن يبقى بكامل وعيه المالي.

لم يشعر، كما يقول عبد العزيز، بأنه أمام مصلحة جمركية، تفتش عن البضاعة الموجودة في جيوبه.

ولم يجد طاقماً منشغلاً بتقمص أدوار بوليس سنوات الرصاص، حيث السؤال الأول ليس دائماً: ما الذي يؤلمك؟ وإنما قد يصبح: ما الذي ستدفعه؟

كان هناك شيء أكثر بساطة من كل هذه التعقيدات: كان هناك مريض يحتاج إلى العلاج.

وهذا بالضبط ما بقي في ذاكرة عبد العزيز.

يقول إن الأسرة الطبية، التي نقلته إلى المستشفى، تعاملت معه باعتباره إنساناً.

ليس لأنه مغربي.

وليس لأنه بحار، يشتغل في شركة دولية.

وليس لأنه يحمل تأميناً، يمكن أن يضمن أداء الفاتورة.

ولكن لأنه، ببساطة، إنسان مريض.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.

فالإنسان، عندما يمرض، لا يحمل معه جنسيته فقط، ولا مهنته، ولا رصيده البنكي، ولا عدد العقارات التي يملكها.

يحمل جسداً متعباً وخوفاً وأسئلة كثيرة.

والمستشفى، في الأصل، يفترض أن يكون المكان الذي يخفف هذا الخوف، لا المكان الذي يضيف إليه خوفاً آخر.

لكن عبد العزيز، يستحضر هذه الذكرى الهولندية، وهو ينظر إلى تجربة أخيه الذي يرقد حالياً، في إحدى المصحات بالمغرب.

وهنا، للأسف، تتغير الصورة.

أخوه دخل المصحة للمرة الرابعة.

نعم، للمرة الرابعة.

ومع ذلك، تقول الأسرة، إن الوضع الصحي، لم يعرف التحسن الذي كانت تنتظره.

أما الشيء الذي يبدو أنه يعرف تحسناً مستمراً، فهو النقاش حول الفلوس.

فالمرض، على ما يبدو، لا يكفي وحده لاحتلال الغرفة.

يجب أن تجد الفلوس مكاناً لها أيضاً.

بل يبدو أحياناً، أنها تدخل قبل الطبيب، وتجلس قبل المريض، وتنتظر حصتها من الزيارة، قبل أن يبدأ النقاش حول الحالة الصحية.

يروي عبد العزيز أن طبيباً فتح نقاشاً حول المال داخل غرفة أخيه المريض، وأمام المريض وأسرته وبعض أشقائه.

وهنا لا يتعلق الأمر، كما يفهم من الرواية، بمجرد سؤال إداري عابر حول كيفية أداء المصاريف.

المؤلم هو التوقيت والمكان والطريقة.

المريض في غرفته.

الأسرة حوله.

القلق يملأ المكان.

والطبيب، المفترض أن يكون الحديث مع أفراد أسرته، منصباً على تطورات الحالة الصحية، يفتح حديثاً آخر: الفلوس.

وكأن المريض، لم يعد مريضاً، وإنما أصبح ملفاً مالياً يمشي على قدمين.

وكأن الغرفة، لم تعد غرفة علاج، وإنما مكتب محاسبة مؤقت.

وكأن السؤال الأهم لم يعد:

كيف حال المريض؟

بل:

كيف حال الحساب؟

وهنا تبدأ السخرية السوداء.

في بعض الأماكن، يبدو أن جهاز قياس الضغط، ليس وحده الذي يحتاج إلى القراءة.

هناك أيضاً جهاز آخر غير مرئي، يقيس قدرة الأسرة على الدفع.

إذا ارتفعت القدرة المالية، ارتفعت معها درجة الاطمئنان.

وإذا انخفضت، تبدأ الأسرة في طرح سؤال آخر:
ماذا سيحدث لنا؟

والمشكلة، ليست في أن العلاج له كلفة.

فمن الطبيعي أن تكون للمصحات مصاريف، وأن تكون هناك فواتير، وأن تُؤدى خدمات طبية، وفق القوانين والعقود والتأمينات.

لكن الفرق كبير بين تنظيم الأداء المالي وبين جعل المال يتسلل إلى غرفة المريض، في اللحظة التي يفترض أن يكون فيها الحديث عن صحته.

هناك أماكن، يمكن فيها أن تناقش الفاتورة في مكتب الإدارة.

وهناك أماكن، يبدو أن الفاتورة فيها تحب أن تتمشى قليلاً، فتصل حتى إلى سرير المريض.

وربما تحتاج، في المرة المقبلة، إلى بطاقة دخول خاصة، حتى لا تضيع في ممرات المصحة.

لكن القصة، لم تتوقف عند هذا الحد.

ففي فصل آخر من هذه الحكاية، حل أحد أشقاء المريض بالمصحة للاطمئنان على أخيه.

وهو أمر طبيعي جداً.

أخ يدخل على أخيه المريض، يريد أن يعرف حالته، أن يطمئن عليه، وربما أن يخفف عنه شيئاً من ثقل المرض.

لكن يبدو أن المصحة، كانت تخبئ له امتحاناً آخر، لا علاقة له بالحالة الصحية.

فقد فقد محفظته داخل المصحة.

والإنسان عندما يفقد محفظته في مكان عام، أول ما يفعله عادة هو البحث عنها.

يسأل هنا وهناك.

يعود إلى الأماكن التي مر منها.

يتوجه إلى مكتب الإرشادات أو الاستقبال.

وهذا ما فعله شقيق المريض.

إلا أن المفاجأة، وفق روايته، كانت عندما وجد العاملات في مكتب الإرشادات، يفتشن المحفظة.

وهنا يصبح المشهد، بحاجة إلى كاميرا كوميدية سوداء.

المريض في الداخل ينتظر العلاج.

الأسرة تنتظر أخبار الطبيب.

والأخ يبحث عن محفظته.

أما المحفظة نفسها، فقد وجدت طريقها إلى طاولة التفتيش.

وكأنها أصبحت مريضاً جديداً، يحتاج إلى تشخيص.

ولأن المحفظة، خلافاً للإنسان، لا تستطيع الاحتجاج، فقد تُركت صامتة وهي ترى من يفتش داخلها.

وإذا كان هذا الوصف مطابقاً لما وقع فعلاً، فالسؤال هنا ليس فقط: أين ذهبت المحفظة؟

السؤال الأكبر هو:

كيف يمكن لمكان يفترض أنه يحمي المريض وخصوصيته وكرامته أن يسمح بمشهد كهذا؟

المستشفى أو المصحة ليست سوقاً أسبوعياً.

وليست محطة مسافرين.

وليست مكاناً يمكن فيه لأي شخص، أن يمد يده إلى ممتلكات شخص آخر، ثم يقول: كنا فقط نفتش.

هناك شيء اسمه الخصوصية.

وهناك شيء اسمه الملكية الشخصية.

وهناك شيء أهم من الاثنين: الثقة.

فالمريض يدخل المصحة، لأنه يفترض أن يكون في مكان آمن.

وأسرته تأتي، لأنها تفترض الشيء نفسه.

وعندما تبدأ الثقة في الاهتزاز، تصبح المشكلة أكبر من محفظة ضائعة، أو حديث عن المال.

تصبح المشكلة، في السؤال الذي يخرج به المواطن من المكان:

إذا كنت لا أشعر بالأمان هنا، فأين أشعر به؟

عبد العزيز لا يقارن بين هولندا والمغرب، من باب تمجيد بلد أوروبي أو جلد الذات المغربية.

المقارنة عنده، كما يبدو، أكثر بساطة وأقسى في الوقت نفسه.

هو يقول لنا، بشكل غير مباشر:

هناك، عندما مرضت، شعرت أنني مريض.

وهنا، عندما مرض أخي، شعرنا أحياناً أننا أمام فاتورة تمشي وتتكلم.

وهذا فرق، لا يمكن إخفاؤه بمساحيق العلاقات العامة.

لأن الصحة، ليست مجرد بنايات جميلة.

وليست، أجهزة حديثة.

وليست، واجهات زجاجية.

وليست، ممرات لامعة.

وليست، حتى وصفات طبية مكتوبة بخط، يصعب على الصيدلي أحياناً قراءته.

الصحة قبل كل شيء هي كرامة.

هي أن يشعر المريض أن وجعه مفهوم.

أن يشعر أن أسرته محترمة.

أن يعرف أن الحديث عن المال، له مكانه ووقته وأسلوبه.

وأن يدرك أن الطبيب، مهما كانت كلفة الخدمة، لم ينسَ أنه أمام إنسان، يخاف ويتألم وينتظر.

والأخطر أن مثل هذه القصص، عندما تتكرر في المجتمع، لا تبقى مجرد حكايات فردية.

تتحول إلى انطباع عام.

والانطباع العام في قطاع حساس كالصحة، يمكن أن يكون أخطر من أي تقرير.

لأن المواطن، قد يتسامح مع تأخر الإدارة.

وقد يصبر على طابور طويل.

وقد يتحمل بعض الفوضى.

لكنه، عندما يشعر أن المال أصبح ينافس المرض على سرير المريض، فإن شيئاً أساسياً في العلاقة بين المواطن والمنظومة الصحية، يبدأ في الانهيار.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه قصة عبد العزيز ليس:

كم دفع أخوه؟

ولا:

كم كلفته الإقامة؟

ولا:

من سيؤدي الفاتورة؟

السؤال هو:

متى أصبح الحديث عن المال داخل غرفة المريض أمراً عادياً؟

ومتى أصبحت الأسرة، مطالبة بأن تدافع عن جيبها في الوقت الذي يفترض، أن تدافع فيه عن صحة قريبها؟

ثم هناك سؤال آخر، لا يقل أهمية:

هل نحن أمام حالات فردية، أم أن هناك ثقافة بدأت تتسلل إلى بعض المؤسسات الصحية تجعل المريض يُنظر إليه أولاً كزبون، ثم كمريض؟

إذا كانت المسألة مجرد حالة معزولة، فالمطلوب التحقيق فيها ومحاسبة من أخطأ.

أما إذا كانت ظاهرة، فالمطلوب أكبر بكثير من الاعتذار.

المطلوب مراجعة طريقة التعامل مع المريض من لحظة دخوله إلى المصحة إلى لحظة خروجه منها.

المطلوب أن تكون هناك قواعد واضحة، تمنع تحويل الغرفة الطبية إلى مكتب استخلاص.

المطلوب أن يعرف كل موظف أن محفظة المريض، ليست غنيمة، وأن خصوصيته ليست امتيازاً، تمنحه المؤسسة متى شاءت، وأن كرامته ليست بنداً اختيارياً في فاتورة العلاج.

أما بالنسبة لعبد العزيز، فربما كانت الرحلة الطويلة التي قضاها في البحر، قد علمته شيئاً بسيطاً:

في البحر، عندما تضطرب السفينة، لا يسأل الربان أولاً من يملك المال.

يسأل: أين الخطر؟ وكيف ننقذ الناس؟

ولعل منظومتنا الصحية تحتاج، بين الحين والآخر، إلى استعادة هذه القاعدة البسيطة.

فالناس، حين يدخلون المصحة، لا يأتون بحثاً عن فندق خمس نجوم.

ولا يطلبون من الطبيب، أن يكون شاعراً.

ولا يريدون معجزة.

إنهم يريدون فقط، أن يعاملوا باعتبارهم بشراً.

أما الفلوس، فليكن لها مكتبها، وموظفوها، وفواتيرها، وحساباتها.

لكن رجاءً…

لا تجعلوها تدخل غرفة المريض قبل الطبيب.

لأن المريض، في نهاية المطاف، قد يخرج من المصحة بفاتورة ثقيلة، وقد يخرج بأدوية كثيرة، وقد يخرج بموعد جديد.

لكن، ما لا ينبغي أن يخرج به أبداً هو إحساسه، بأنه كان طوال فترة مرضه مجرد محفظة تبحث عن سرير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.