المسؤول الذي قال: “لا عطش في أي منطقة”… حقيقة أم وهم؟

ضربة قلم
حين يخرج مسؤول حكومي ليعلن بثقة مطلقة أن “المغرب لا يعرف العطش في أي من مناطقه”، فإن وقع الجملة يبدو جميلاً للسامعين، لكنه في الوقت نفسه يستفز ذاكرة الناس وتجاربهم اليومية. كيف يمكن أن يُنفى عطش القرى البعيدة، أو المدن التي عانت طيلة الصيف من انقطاعات متكررة، أو الأسر التي تنتظر صهريجاً متنقلاً في عزّ الحرّ كي تملأ براميلها؟
أزمة ممتدة وليست طارئة
المغرب يعيش منذ سنوات تحت وطأة جفاف متكرر، حتى صارت ندرة الماء سمة أساسية للحياة اليومية. السدود الكبرى التي كانت تمد البلاد بطمأنينة مائية أصبحت شبه فارغة في بعض الأحواض، والفرشات الجوفية استُنزفت إلى حدّ بعيد، فيما انخفضت القدرة التخزينية للموارد إلى مستويات مقلقة.
لكن ما زاد الطين بلّة هو التفاوت الكبير بين الجهات: فبينما تعرف مدن الساحل والشمال توازناً نسبياً بفضل مشاريع التحلية أو الربط بين الأحواض، تعيش مناطق الجنوب الشرقي والقرى النائية معاناة حقيقية مع الانقطاعات ونقص التزويد، حتى صار الحصول على لتر ماء صالح للشرب مسألة يومية شاقة.
بين الخطاب السياسي والواقع الميداني
التصريحات السياسية عادةً ما تحمل رسائل تهدئة، لكنها قد تتحول إلى سيف ذي حدّين حين تنفي ما يراه المواطن بعينيه. المواطن الذي لا يجد الماء في صنبوره لن يقتنع بأن بلاده “لا تعرف العطش”، بل سيشعر بأن صوته وهمومه يتم إنكارها. وهنا تنشأ فجوة خطيرة: فجوة الثقة بين الحاكم والمحكوم.
من المسؤول؟
منظومة الماء في المغرب معقدة، موزعة بين التخطيط المركزي لمشاريع السدود والتحلية، والتدبير اليومي الذي يقوم به المكتب الوطني للماء، وبين الجماعات المحلية ووزارة الداخلية التي تتحمل مسؤولية التدخل السريع في حالة الأزمات. لكن حين يخرج مسؤول ليطلق تصريحاً عاماً ينفي وجود العطش، فهو يضع نفسه في موقع المساءلة: لماذا لم تُرصد الانقطاعات؟ ولماذا لم تُقدّم حلول سريعة للقرى التي تحتج؟
ما الذي تحقق فعلاً؟
لا يمكن إنكار أن البلاد شرعت في إطلاق مشاريع ضخمة:
-
محطات تحلية تُفتَح الواحدة تلو الأخرى.
-
ربط مائي بين الأحواض لإنقاذ المدن الكبرى.
-
برامج استثمارية بمليارات الدراهم، كلها موجهة إلى هدف معلن: تأمين الماء الشروب والسقي في أفق 2030.
لكن، ورغم كل هذا البريق، تبقى هذه المشاريع على الورق والخرائط إلى حين. فهي تحتاج سنوات وسنوات قبل أن تُترجم إلى واقع ملموس. أما القرى في الجنوب الشرقي، أو بعض نواحي السراغنة وسيدي قاسم، فهي لا تفكر في أفق 2030 ولا في لغة الأرقام، بل في شاحنة ماء صغيرة تصل غداً صباحاً لتملأ البراميل.
والمفارقة المؤلمة أن المستفيد الأول من هذه المشاريع لن يكون المواطن البسيط الذي ينتظر قطرة ماء، بل “ديالنا في ديالنا”: المستثمرون الكبار، أصحاب النفوذ، ومن يحسنون اقتناص الفرص في الكواليس. وهكذا يبقى العطش حقيقياً عند الفقراء، فيما ترتوي مشاريع الكبار من عرق الشعب.
ازدواجية المشهد
المفارقة أن المغرب يقدَّم أحياناً كنموذج في “تدبير الندرة” على المستوى الإقليمي، لكن المواطن العادي في القرى والبوادي لا يرى سوى البراميل الفارغة. وهنا يكمن جوهر المشكلة: كيف نوفق بين المشاريع الاستراتيجية الضخمة، وبين الحاجات البسيطة والعاجلة التي تحدد كرامة المواطن في يومه العادي؟
هل من حلول قريبة؟
الحلول العاجلة لا تحتاج إلى سنوات: صهاريج متنقلة، محطات صغيرة لمعالجة المياه، ربط القرى القريبة بالشبكات، مراقبة الاستنزاف العشوائي للآبار، ثم الشفافية في إعلان الانقطاعات وجدولة عودة التزويد. المواطن يحتاج إلى وضوح: متى سيعود الماء؟ كم ستستمر الأزمة؟
أما على المدى الطويل، فلا بد من إصلاح زراعي مائي يعيد النظر في الزراعات المستنزفة للماء، ويضمن أن لا يستهلك فلاح واحد ما يكفي لسقي مدينة بأكملها.
الخلاصة
المسؤول الذي قال “لا عطش في أي منطقة” ربما قصد طمأنة الناس، لكنه في الواقع سلّط الضوء على الهوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي. العطش ليس خيالاً ولا مبالغة، بل حقيقة يومية تعيشها قرى ومناطق بأكملها. وأخطر من العطش نفسه أن يشعر المواطن بأن معاناته غير معترف بها، وأن صوته لا يصل.




