الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المسطرة الجنائية الجديدة: هل المشروع “إصلاح حقيقي”؟ أم مجرد رقعة قانونية نُضيفها إلى عباءة عدالة مثقوبة؟

ضربة قلم

ها هو مشروع القانون رقم 03.23، المتعلق بتعديل قانون المسطرة الجنائية، يشقّ طريقه بتثاقل خارج المنعطف التشريعي الضيّق في لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، كمن يخرج من نفق مظلم لا يرى الضوء في آخره بل يرى مستشارين ينتظرونه بشهية مفتوحة ومقترحات شائكة. المشروع، الذي من المفترض أنه يهدف إلى “تحديث” المنظومة الجنائية، يبدو وكأنه يُمارس عليه تقشير سياسي وقانوني طبقة طبقة، دون أن نصل لُبَّ العدالة المرتجاة.

فلنكن صريحين: المغرب لا يعاني من قلة القوانين، بل من كثرتها أحيانًا، ومن عدم انسجامها غالبًا، ومن الطريقة التي تُطبَّق بها دائمًا. لكن مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية يُقدَّم إلينا كما تُقدَّم وجبة “غورميه” في مطعم فاخر: الكثير من الزينة، قليل من القيمة الغذائية، وكل هذا بثمن مرتفع سياسيًا واجتماعيًا.

نُقّاد المشروع في لجنة العدل صالوا وجالوا، وقُدم أكثر من ألف (!) تعديل من فرق الأغلبية والمعارضة، وكأننا بصدد تحفة فنية قابلة للنقش الجماعي، لا قانون حساس يمسّ جوهر العلاقة بين المواطن والدولة، بين الحرية والسلطة، بين الاتهام والبراءة. لكن الوزير الوصيّ، ببرودة أعصاب أقرب إلى البرود الإسكندنافي، واجه كل ذلك الاندفاع بـ”لا” كبيرة، وبكثير من عبارات “لا موجب للتعديل”، و”اقتراح غير مناسب”، بل وربما فكّر في لحظة ما أن ينقش على الباب: “اقتراحاتكم تهمّنا… وسنتجاهلها بكل احتراف”.

طبعا، لا أحد ينكر أن هناك نية حسنة (على الأقل على الورق)، فالقانون يقترح، من جملة ما يقترح، وضع تعريف جديد للسياسة الجنائية. يا سلام! بعد كل هذه السنوات، اكتشفنا أننا بحاجة إلى تعريف للسياسة الجنائية! وكأننا كنا نلعب في ملعب بلا خطوط، وفجأة قرر الحكم أن يُخرج دفتر القواعد ويشرح لنا معنى اللعبة. لقد صار لزامًا علينا أن نُدرج السياسة الجنائية ضمن السياسات العمومية، ونعاملها كأنها خطة عمل حكومية في التعليم أو الصحة. خطوة تبدو في ظاهرها تقدمية، لكنها قد تُخفي وراءها نية ضبط الإيقاع، أكثر مما تُخفي رغبة في تحرير العدالة من قيود الهوى والانتقائية.

المفارقة الساخرة هنا، أن المشروع يُعرض الآن على جلسة عامة للتصويت، بينما السجال حوله ما زال مفتوحًا على مصراعيه، كأننا نُجهّز العربة قبل أن نقرّر ما إذا كان الحصان على ما يرام. هناك من يتحدث عن “هفوات” يجب تداركها في مجلس المستشارين، ويُعوّل على “التعددية” هناك، على أساس أن وجود النقابيين وممثلي الجماعات المحلية قد يضخّ بعض الجرعة الواقعية في هذا النص القانوني الشارد. لكننا نعرف جميعًا أن أغلب المستشارين، مع احتراماتنا الصادقة للبعض القليل منهم، لا يقرأون 300 صفحة قانونية إلا إذا تحولت إلى بوستات على فيسبوك أو فيديوهات قصيرة على تيك توك.

التعريف المقترح للسياسة الجنائية، رغم كل الكلام المنمق، يُعيدنا إلى سؤال جوهري: من يحكم من في المنظومة الجنائية؟ من يقرر مَن يُتابع ومَن يُهمل ملفه؟ هل صارت النيابة العامة مستقلة فعلًا، أم مستقلة شكليًا عن وزير العدل لكنها مرتبطة، في العمق، بنفس التوازنات التقليدية بين السلطة والسلطة، حيث تظل عين الدولة مفتوحة على ما يُزعج أكثر من حرصها على ما يُنصف؟ إذا كنا سنُحدد السياسة الجنائية ضمن السياسات العمومية، فهل يحق للمواطن أن يُحاسب الدولة على فشلها فيها، كما يُحاسبها على انهيار التعليم أو ضعف الخدمات الصحية؟ أم أن هذا التعريف مجرّد حيلة لغوية لتبرير استمرار نفس الممارسات بمنطق جديد؟

الحق يُقال، لسنا ضد تحديث المسطرة الجنائية، بل نحن أكثر الناس حاجة إلى ذلك. نريد قانونًا يحمي الضحية، ولا يُحوّل المشتبه به إلى فريسة، نريد قضاءًا يُوازن بين العقاب والردع، بين الردع والرحمة، بين الحقوق والواجبات. لكن لا نريد قانونًا مُجمّلاً بمصطلحات أجنبية، ومشحونًا بنوايا غير مفهومة، أو مغطىً بألف تعديل لم يُؤخذ منها شيء.

هل المشروع “إصلاح حقيقي”؟ أم مجرد رقعة قانونية نُضيفها إلى عباءة عدالة مثقوبة؟ هل هو بداية لعدالة مستقلة، شفافة، مواطِنة؟ أم مجرد محاولة لتلميع واجهة قانونية أمام المؤسسات الدولية التي تسأل، من حين لآخر، عن “الإصلاحات الجارية في المنظومة الجنائية”؟ كل المؤشرات تقول إننا أمام عمل نصف ناضج، نصف شفاف، نصف ديمقراطي، و… نصف منجز.

والمواطن، كعادته، سيُحكم عليه بالنصف الآخر: نصف الحرية، نصف الكرامة، ونصف العدالة. أما النصف المتبقي، فيُوزَّع بين اللجان، والمستشارين، وممثلي الأغلبية، والمعارضة، وحكومة تتقن فن الاستماع… دون التفاعل.

فهل نُسلّم بالمشروع كما هو، أم ننتظر أن يتحول نص المسطرة الجنائية من مسودة قانونية إلى مشروع وطني متكامل فعلاً؟
ربما سنكتشف ذلك يوم الثلاثاء، أو في جلسة لاحقة، أو… بعد أن تُصبح السياسة الجنائية مادة اختيارية في المقررات الدراسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.