
ضربة قلم
في مساءٍ من نونبر 1975، لم يكن المغاربة ينتظرون معجزة من السماء، بل صنعوها بأيديهم. خرجوا لا يحملون سلاحًا، بل مصاحف وأعلامًا وطنية، خرجوا بقلوب عامرة بالإيمان وبصوتٍ واحدٍ يردد: “الله، الوطن، الملك”. كانت تلك اللحظة، التي دعا فيها الملك الراحل الحسن الثاني شعبه قائلاً: “غدًا إن شاء الله ستطؤون أرضًا من أراضيكم”، أشبه بنداء التاريخ وهو يستيقظ من سباته ليكتب فصلاً جديدًا من السيادة والكرامة.
لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حركة على الرمال، بل كانت زلزالًا أخلاقيًا في وجدان الأمة. أكثر من 350 ألف مغربي ومغربية ساروا صفًا واحدًا في اتجاه الجنوب، دون طلقة رصاص، في زمنٍ كانت فيه البنادق هي اللغة الوحيدة للسياسة. لقد أبدع المغرب يومها “معجزة سلمية” أربكت العالم، وأثبت أن الشعوب العاشقة لأوطانها لا تحتاج إلى المدافع لتنتصر، بل إلى الإيمان والعزم والوحدة.
من الرمال إلى الأفق
كانت المسيرة لحظة استرجاع، لكنها أيضًا لحظة انطلاق. فبينما استعاد المغرب أرضه، استعاد معها معنى الالتحام بين العرش والشعب. لقد وُلدت من رحمها فلسفة جديدة: أن “المسيرة” ليست فقط نحو الصحراء، بل نحو المستقبل.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الصحراء المغربية مجرد مجال جغرافي، بل تحوّلت إلى مشروع وطني، إلى مختبرٍ للتنمية والتحديث، إلى رهانٍ على الإنسان قبل المكان.
في خطاباته اللاحقة، شدّد الملك محمد السادس على أن “المسيرة الخضراء ليست صفحة أغلقت، بل كتاب مفتوح نواصل فصوله”. وهكذا واصل المغرب مسيرته الثانية: مسيرة البناء والنماء. طرقات حديثة تشق الرمال، موانئ عملاقة تربط الصحراء بإفريقيا، جامعات ومناطق صناعية ومدن خضراء، كلها تقول بلغة الفعل: “هنا وطن لا يكتفي بالتحرير، بل يبني ليبقى”.
حين صارت المسيرة رؤية دولة
أدركت المملكة أن الدفاع عن الأرض لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، فاختارت أن تجعل من الصحراء قاطرة للتنمية، لا منطقةً للنزاع. تغيرت موازين الرؤية الدولية. لم تعد “الصحراء” عنوانًا للنزاع كما أراد الخصوم، بل أصبحت شاهدًا على نجاح مغربي في تحويل رمالٍ إلى مستقبلٍ واعد.
اليوم، بعد خمسين سنة، يتأكد للعالم أن المغرب لم يربح فقط معركة الجغرافيا، بل ربح معركة الفكرة: فكرة أن السيادة تُصان بالعمل، وأن الوطنية تُقاس بالإنجاز لا بالشعارات.
المسيرة المستمرة
إن ذكرى المسيرة الخضراء ليست مجرد استعادة لحدثٍ مضى، بل هي تذكيرٌ بأن “المسيرات” لا تتوقف. فكما عبر أجدادنا الرمال لاسترجاع الأرض، يعبر جيل اليوم صحراءً أخرى نحو التنمية والعدالة الاجتماعية.
فالمغاربة اليوم يعيشون المسيرة الرقمية والمسيرة البيئية والمسيرة نحو العدالة والمساواة، وكلها تسير بنفس الروح التي وحّدت الشعب في نونبر 1975.
إنها المسيرة الكبرى للوطن المستمر في التجدد، حيث تتعانق الذاكرة بالمستقبل، وحيث تظل كلمات الحسن الثاني صدى خالدًا في ضمير الأمة:
“غدًا إن شاء الله ستطؤون أرضًا من أراضيكم، وستلمسون رملاً من رمالكم، وستقبلون أرضًا من وطنكم العزيز.”
واليوم، بعد نصف قرن، يطأ المغاربة أرضهم كل يوم من جديد:
حين يزرعون، حين يبدعون، حين يبنون مدرسة في قرية نائية، أو ميناءً في أقصى الجنوب. فكل عملٍ نافع، وكل جهدٍ صادق، هو استمرارٌ لتلك المسيرة الخضراء التي لا تموت.





https://shorturl.fm/OoDaN