المشاهير بين الضمير والجيوب: دعاة يخدمون القضايا ومرتزقة يبيعون كل شيء

ضربة قلم
في زمن الإعلام الرقمي، وتضخم منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد مصطلح “المشهور” يدل فقط على الفنان أو الرياضي أو الكاتب، بل أصبح يشمل طيفًا واسعًا من الأشخاص، الذين تمكنوا من جذب انتباه الجمهور والتأثير فيه. غير أن هذا الحضور الواسع، خلق بدوره نوعين متباينين من “المشاهير”: فئة يمكن وصفها بـ المشاهير الدعاة الذين يوظفون شهرتهم لخدمة فكرة أو قضية أو قيمة إنسانية، وفئة أخرى يصفها كثيرون بـ المشاهير المرتزقة الذين يجعلون من الشهرة، مجرد وسيلة للربح أو الترويج لأي شيء مقابل المال أو النفوذ. وبين هذين النموذجين، تتشكل معركة صامتة، حول معنى التأثير وحدود المسؤولية الأخلاقية في الفضاء العام.
المشهور الداعية: صوت يحمل رسالة
المشهور الداعية، هو في الأساس شخص امتلك شهرة ما، لكنه لم يتوقف عند حدود الأضواء والانتشار، بل سعى إلى تحويل هذا الحضور الجماهيري، إلى منصة لنشر الأفكار والدفاع عن القضايا. قد يكون هذا المشهور فنانًا أو صحفيًا أو ناشطًا أو حتى شخصية عادية برزت في مواقع التواصل، لكن ما يميزه هو أن شهرته مرتبطة برسالة واضحة.
هذا النوع من المشاهير يرى أن الشهرة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا. فحين يتابعه آلاف أو ملايين الأشخاص، يشعر بأنه مطالب بتقديم محتوى مفيد، أو الدفاع عن قضايا المجتمع، مثل التعليم، والعدالة الاجتماعية، والبيئة، وحقوق الإنسان، أو حتى نشر المعرفة والثقافة.
وغالبًا ما يتعرض هذا النوع من المشاهير لضغوط كبيرة، لأن الدفاع عن القضايا العامة، قد يجلب له الانتقاد أو الاستهداف. ومع ذلك، يختار الاستمرار في التعبير عن رأيه، لأن هدفه ليس فقط الحفاظ على صورته العامة، بل المساهمة في تغيير إيجابي داخل المجتمع.
ومن مظاهر هذا النموذج، أن محتواه لا يقوم على الإثارة الفارغة، بل على التحليل والنقاش والتوعية. فهو يحاول رفع مستوى النقاش العمومي، بدل الانجرار إلى التفاهة أو الصراعات الهامشية، التي تجذب المشاهدات، لكنها لا تضيف شيئًا إلى الوعي الجماعي.
المشهور المرتزق: الشهرة كسلعة
في الجهة المقابلة، يظهر نموذج مختلف تمامًا، هو المشهور المرتزق. هنا تصبح الشهرة نفسها، سلعة قابلة للبيع، ويصبح التأثير، مجرد أداة لجلب المال أو المكاسب الشخصية، مهما كان الثمن.
هذا النوع من المشاهير قد يروج لأي منتج أو فكرة أو موقف سياسي، دون أن يهتم كثيرًا، بمدى صدقها أو فائدتها للجمهور. فالمعيار الأساسي بالنسبة له، ليس القيمة أو الحقيقة، بل العائد المادي أو المصلحة الشخصية.
وقد يتجلى هذا الارتزاق في عدة صور:
-
الترويج لمنتجات رديئة أو مضللة مقابل المال.
-
تغيير المواقف السياسية أو الفكرية، حسب الجهة الداعمة.
-
إثارة الجدل المصطنع، فقط لجذب الانتباه وزيادة المتابعين.
-
نشر معلومات غير دقيقة، أو مبالغ فيها لتحقيق الانتشار.
في هذه الحالة، تصبح الشهرة مجرد أداة تجارية، ويصبح الجمهور مجرد رقم في معادلة الأرباح. ومع مرور الوقت، يتحول المحتوى إلى ما يشبه “صناعة الضجيج”، حيث تختفي الرسالة الحقيقية، ويحل محلها السعي الدائم، وراء التفاعل السريع.
الفرق الجوهري: الرسالة أم المصلحة
الفرق الأساسي بين المشهور الداعية، والمشهور المرتزق، يكمن في الدافع.
فالأول تحركه فكرة أو قضية يؤمن بها، بينما الثاني، تحركه المصلحة الشخصية المباشرة.
المشهور الداعية، قد يستفيد من شهرته بطبيعة الحال، لكن الربح ليس الهدف الوحيد ولا الأساسي. أما المرتزق، فيجعل الربح أو النفوذ المحرك الرئيسي لكل ما ينشره أو يقوله.
كما يظهر الفرق أيضًا في علاقة كل منهما بالجمهور.
-
الداعية يرى الجمهور شريكًا في النقاش والتغيير.
-
المرتزق يرى الجمهور سوقًا استهلاكية.
أثر الظاهرة على المجتمع
وجود هذين النموذجين، يطرح تحديًا حقيقيًا أمام المجتمعات المعاصرة، خاصة في ظل الانتشار الهائل للمعلومات عبر الإنترنت. فحين يصبح المرتزقة، أكثر حضورًا وتأثيرًا، قد يؤدي ذلك إلى تضليل الرأي العام وتشويه النقاش العمومي.
لكن في المقابل، وجود المشاهير الدعاة، يمنح المجتمع فرصة لاستعمال نفس الأدوات الرقمية، في نشر المعرفة والقيم الإيجابية. فالمعركة اليوم ليست فقط بين أفكار مختلفة، بل أيضًا بين أنماط مختلفة من استخدام الشهرة…
مسؤولية الجمهور أيضًا
لا يمكن إلقاء المسؤولية كلها على المشاهير. فالجمهور نفسه، يلعب دورًا مهمًا في تحديد أي نموذج ينجح، وأي نموذج يتراجع. حين يفضل المتابعون المحتوى السطحي والمثير للجدل، فإنهم يشجعون ضمنيًا، على انتشار المشاهير المرتزقة. أما حين يدعمون المحتوى الجاد والمفيد، فإنهم يمنحون مساحة أكبر للمشاهير الدعاة.
وبهذا المعنى، تصبح الشهرة في العصر الرقمي مرآة لاهتمامات المجتمع نفسه.
خاتمة
في النهاية، ليست المشكلة في الشهرة ذاتها، بل في الطريقة التي تُستعمل بها. فالشهرة، قد تكون وسيلة، لنشر المعرفة والدفاع عن القضايا العادلة، وقد تتحول أيضًا إلى تجارة، تقوم على التضليل والاستغلال.
وبين هذين الطريقين، يقف المشهور أمام سؤال بسيط لكنه حاسم:
هل يريد أن يكون صوتًا يحمل رسالة، أم مجرد صدى لمصالح عابرة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد، في نهاية المطاف، الفرق الحقيقي بين المشهور الداعية والمشهور المرتزق.




