المطاحن تطحن الشعب… والحكومة تزن الطحين بـ16 مليار درهم!

ضربة قلم
في هذا البلد العجيب الذي تتساوى فيه النكتة بالمرسوم، خرج أحد النواب البرلمانيين، ليس من المعارضة ولا من حزب الهامش، بل من صميم التحالف الحاكم، ليقولها بالفم العامر: المطاحن تطحن الأوراق، لا القمح!
نعم، لقد نطقها السيد تويزي، خلال اجتماع لجنة المالية بمجلس النواب، وكأنه يطلق مدفعية ثقيلة في وجه لوبيات “الطحين الفاخر” الذين يعيشون من رائحة الدعم. فهؤلاء، حسب قوله، يلتهمون 16 مليار درهم من أموال الدعم العمومي دون أن يسألهم أحد: أين الطحين؟ وأين الفقراء الذين خُصص لهم هذا الدعم؟
الحكومة، كعادتها، تتحدث عن “الحكامة الجيدة” و”النجاعة” و”التحول الاجتماعي”، بينما الدقيق المدعوم الذي يُفترض أن يُخبز به خبز الفقراء، لا يصلح – حسب النائب نفسه – حتى للأكل! طحيننا، يقول الرجل، لا يصلح لا للبغرير ولا للخبز، فقط ربما لتجفيف دموع من يصدقون حكاية “الدعم الاجتماعي”.
ومع ذلك، يستمر المسرح الحكومي في تقديم عروضه اليومية: دعم بالمليارات، اجتماعات مطولة، ولجان تضع الخطط لعشرين سنة قادمة… بينما المواطن البسيط لا يجد ما يضعه في كيس دقيقه إلا الهواء الساخن الذي تبيعه له الحكومة تحت عنوان “إصلاح الدعم”.
تويزي، في لحظة صدق نادرة داخل قبة البرلمان، دعا إلى تحويل الدعم مباشرة للمواطنين: “اعطوهم 500 درهم، أو أكثر، ودعوهم يشترون الدقيق والسكر بأنفسهم”. فكرة بسيطة، لكنها مستحيلة في بلد اعتاد أن يوزع الأموال على اللوبيات قبل أن تصل إلى المستحقين. فكيف سيعيش “لوبي المطاحن” إذا توقف الدعم عن الهبوط عليهم كالمطر في صيف الانتخابات؟
الغريب أن الحكومة تعرف كل هذا، وتملك السجل الاجتماعي الموحد الذي يمكنه أن يفرز المستحقين، لكنها تفضل الصمت. صمت من يعرف أين يذهب المال، ويختار أن يغمض عينيه بحجة “الظروف الدولية” و”الحرب في أوكرانيا” و”الجفاف”… وكأن المليارات التي تختفي في مطاحن الدعم تهاجَر مع الحبوب الأوكرانية.
النائب نفسه تحدث عن “مغربين”: مغرب الواجهات اللامعة، حيث الطائرات والسيارات والهيدروجين الأخضر، ومغرب آخر يعيش على دقيق رمادي لا يصلح للأكل، ومدارس بدون تعليم، ومستشفيات بدون دواء.
مغربان يتقاسمان نفس التراب، لكنهما لا يتحدثان نفس اللغة:
– مغرب يطحن الأرقام في المؤتمرات،
– ومغرب يطحن الفقراء في الطوابير.
تويزي ختم مداخلته بما يشبه النداء الأخير: “إصلاح التعليم هو الأساس”، قالها وهو يعلم أن من لا يجد خبزه، لن يبحث عن كتابه. كيف نصلح التعليم والطفل الجائع لا يملك حتى وجبة مدرسية؟ كيف نطلب من المعلم أن يبدع وهو يفكر في ثمن الدقيق الذي صار أغلى من الكرامة؟
الحكومة، رغم كل هذه الحقائق، تبدو مرتاحة في مقعدها. ما دامت تصنع الأمل بالخطابات، وتطحن الواقع في المطاحن ذاتها، فكل شيء على ما يرام.
فلتستمر إذن “ثقافة النتائج” التي تحدث عنها النائب:
– المطاحن تربح،
– الفقراء يخسرون،
– والحكومة… تصفق!
16 مليار درهم للدقيق غير الصالح للأكل؟
لا بأس. فالمغاربة أكلوا ما هو أمرّ من الطحين.





https://shorturl.fm/D3wWO