المغاربة شبعانين كريدي: واقع مزمن بين الديون والبحث عن مخرج

ضربة قلم
في زمن يزداد فيه غلاء المعيشة، صار كثير من المغاربة “شبعانين كريدي” — أي مثقلين بالديون إلى درجة الاختناق، وعبء هذه الديون لا يقتصر على الالتزامات البنكية فقط، بل يمتد ليشمل الاقتراض من العائلة والأصدقاء، مما يجعل الفرد في حلقة مفرغة من الديون والالتزامات التي تضغط على حياته اليومية.
الأبناك والعائلة.. كل المصادر تحت الطلب
لم تعد الأبناك هي المصدر الوحيد للقروض؛ فبعد أن أصبحت شروط التمويل أكثر تشددًا، يلجأ الناس إلى الاقتراض من العائلة والأصدقاء، ما يضع ضغطًا إضافيًا على العلاقات الاجتماعية، ويثير توترات عديدة في المحيط العائلي. الكريدي بات ثقلًا يؤثر على كل جانب من جوانب الحياة.
دروس تقوية وساعات إضافية.. كيف يبحث رجال التعليم عن لقمة العيش؟
في ظل تدني الأجور وصعوبة تلبية الحاجيات الأساسية، يضطر العديد من رجال التعليم إلى البحث عن مدخول إضافي. أشهر هذه الوسائل هي تقديم دروس تقوية خصوصية، وأحيانًا الاشتغال لساعات إضافية في القطاع الخاص. هذا المسار شاق ومرهق، لكنه الوسيلة الوحيدة التي تساعد على تخفيف ضغط الديون وتسديد الأقساط المتراكمة.
العمل السياسي والرشوة: بدائل غير رسمية في غياب حلول واقعية
في ظل هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة، اختار بعض المغاربة العمل السياسي كبديل لتأمين دخل إضافي أو الحصول على امتيازات مادية، لكن هذا الاتجاه في كثير من الأحيان ينحرف عن مساره الحقيقي ليصبح وسيلة لفتح أبواب النفوذ والصفقات، بدلًا من خدمة المجتمع.
وللأسف، لجأ آخرون إلى عالم الرشوة، تلك الظاهرة التي باتت تنتشر في بعض المؤسسات، وتعكس انهيارًا أخلاقيًا واجتماعيًا عميقًا، وتفاقم الفساد الذي يزيد من معاناة المواطن البسيط ويعيق التنمية.
الكريدي.. لا يكفي حتى لشراء الحذاء
الأمر لا يقتصر على أعباء القروض فحسب، بل وصل الأمر إلى حد أن كثيرين ممن “شبعانين كريدي” لم يعد لديهم حتى ما يقتنون به أبسط ضروريات الحياة، مثل حذاء لأبنائهم أو قوت يومهم. الكريدي بات كابوسًا يوميًا يقتل فيهم الأمل ويقضي على كل محاولات تحسين ظروفهم.
الكريدي قمع مزدوج: قمع اقتصادي واجتماعي ونفسي
الكريدي لا يقمع فقط جيوب الناس، بل يقمعهم نفسيًا واجتماعيًا. كثيرون بسبب تراكم الديون وتفاقم الأعباء وجدوا أنفسهم عاجزين عن المشاركة في النضال السياسي الحقيقي، محاصرين في دائرة من الصمت والانزواء. الديون هنا تصبح أداة ضغط تمنع الناس من المطالبة بحقوقهم أو العمل من أجل التغيير
“المخزن” و”الفتات”: واقع مزري بين الطبقة السياسية والمواطن
في الوقت الذي يكافح فيه المواطن المغربي لتأمين لقمة عيشه وتسديد ديونه، نجد أن جزءًا من المسؤولين والحاصلين على امتيازات الدولة يعيشون حياة “أكثر من المخزن بفتات”. هذا التعبير يعكس الواقع المرير، حيث يُترك المواطن المدين يناضل وحيدًا بينما تُصرف موارد الدولة على مصالح نخبة صغيرة تزيد الهوة وتعمق اليأس.
ليس فقط النخبة الحاكمة، بل حتى بعض اليساريين السابقين الذين شبعوا ديونًا وأُغرو بنقاط ضعفهم، استُغِلوا من طرف “المخزن” وتحولوا إلى مطبّلين للنظام، فاصبحوا جزءًا من آلة الإذعان والتبرير، بدلًا من أن يكونوا صوت المعارضة والمطالبين بالتغيير.
هذا الواقع يعزز الشعور بأن النظام لا يعنى بمعاناة الناس الحقيقية، وأن الفساد والمحسوبية هما الحصان الرابح في المعادلة، في حين يظل المواطن العادي محاصرًا بالكريدي الذي يخنقه، عاجزًا عن مواصلة النضال أو تحقيق حياة كريمة.
الخلاصة
ظاهرة “شبعانين كريدي” هي أكثر من مجرد أزمة مالية، إنها أزمة اجتماعية ونفسية تضع ملايين المغاربة في حالة من القلق المستمر والضغط النفسي. مع تراكم الديون، والبحث المحموم عن مصادر دخل بديلة، يعيش الكثيرون في دوامة لا نهاية لها من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل من الصعب عليهم التفكير في مستقبل أفضل أو المشاركة في نضالات التغيير.
الحل يحتاج إلى جهود مشتركة: رفع الأجور، دعم المشاريع الصغيرة، تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد، وتوفير بدائل تمويلية مناسبة، إلى جانب حملات توعية مالية تُعين الناس على إدارة مواردهم بشكل أفضل.
فالمغاربة يستحقون حياة كريمة بعيدة عن قمع الديون وضغوطها النفسية، وحياة تمكنهم من المشاركة الفعالة في بناء وطنهم.




