الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المغاربة والعيش المشترك… على طريقة “كلها يلغي بلغاه”

ضربة قلم

في شوارع المغرب، لا تحتاج إلى جهاز لقياس نبض المجتمع، فقط أمكث واقفا على رصيفٍ لخمس دقائق وسترى المسرح المغربي اليومي، نسخة شعبية من السيرك، ولكن بلا أقفاص ولا تعليمات سلامة.

تبدأ الحكاية مع حركة السير، أو الأصح: “حركة السير الذاتية”. فالقانون موجود، لكنّ البعض يعامله كأنه فقرة في كتاب التاريخ، أو مثل تلك اللوحات التي تقول “قف” وتبدو أقرب إلى الزينة منها إلى أمرٍ صارم. السائقون يتصرفون وكأن الطريق في ملكيتهم ترك لهم في الوصية، وعندما يتقاطع اثنان منهما، يبدأ مشهد المصارعة الكلامية:
ــ “وااا فين شاد الطريق!”
ــ “سير تقاد عاد سوق فمك!”
ثم ينزل أحدهم وهو يلوّح بيديه كأنها جناحَا نسرٍ جائع، ويبدو مستعدًا لأن يحوّل الإشارة الضوئية إلى حلقة ملاكمة. أما رجل الشرطة، فغالبًا ما يكون في زاوية ما، يراقب ويتساءل في صمت: “أشنو هذا الشعب…؟”

ننتقل إلى الرصيف، ذلك المكان الذي خلق للمشاة، لكنه صار حلبة أخرى للصراع الطبقي والعائلي. عائلة مغربية مكوّنة من الأب، الأم، أربعة أطفال، الجدة، عربة أطفال، و… الله أعلم، يقررون أن يتمشّوا جنبًا إلى جنب، بسرعة حلزون يُعاني من الاكتئاب، تاركين ورائهم قافلة من المارة الذين يتحفزون إما للقفز عليهم أو التفاف الجهة المقابلة في مخاطرة بحياتهم.
والأغرب؟ لو تجرأت وطلبت أن تمرّ، ستسمع جملة من العيار الثقيل:
ــ “واش حنا ماشي بنادم حتى حنا؟!”

أما عند المخبزة، فحدث ولا حرج. تقف في الصف منتظرًا دورك بكل تهذيب، فقط لتكتشف أن هنالك قانونًا غير مكتوب اسمه “قانون التسلل النظيف”. طفلان لا يتجاوز عمرهما تسع سنوات، يمران من تحت ذراعك، يطلبان خبزتين وبطبوط، ويخرجان كما لو أن لا أحد ينتظر منذ عشر دقائق. وعندما تنظر إلى الأم في الخلف، تقول لك بنبرة تفوق الفقه الدستوري:
ــ “خلي الدراري يتعلمو الحياة!”

ثم هناك فئة من المواطنين تعيش على الكرسي العمومي، يضعون رجلاً على رجل، وكأنهم يديرون البورصة من الرصيف، يناقشون أمور السياسة، الرياضة، وحتى “خطبة الجمعة”، دون أي اعتبار لمن يريد أن يجلس ولو دقيقة لتعديل جوربه. أما الذين يحتلون المقاهي بطاولة كاملة ويطلبون قهوة واحدة طوال ثلاث ساعات، فهم عُملة نادرة لا تنقرض.

وفي الحافلات، تتجلى عبقرية الفوضى المغربية في أبهى صورها. تجد من يصعد من الباب الخلفي وكأنه في مطار، يتجاوز الجميع، يدفع، يدوس، وربما يجلس في حجرك، وعندما تتذمّر، يقول لك:
ــ “راه حنا في بلاد الحق والقانون!”

حتى السلالم في الإدارات العمومية لا تخلو من مغامرات. كبار السن يصارعون للصعود، فيما شباب في كامل صحتهم يقفزون فوق الدرج ثلاثًا بثلاث، لأن “الزربة” شعار وطني غير معلن.

وما إن تفتح وسائل التواصل الاجتماعي حتى ترى نفس أولئك المهرولين والمخالفين والمنفعلين وقد تحوّلوا إلى فلاسفة يتحدثون عن “الوعي”، و”الاحترام”، و”العيش المشترك”… و”القيم”.

النتيجة؟
نعيش في بلد واحد، لكن كل فرد يعيش داخل “دويلة صغيرة” يشرّع فيها قوانينه الخاصة. من قانون “أنا ومن بعدي الطوفان” إلى قانون “الخبز أولًا ثم الأخلاق لاحقًا”. أما الدولة، فتقف تراقب وتقول: “ربي يهدي ما خلق”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.