المغاربة وفواتير الماء والكهرباء: هل ندفع ثمن الخدمة أم ثمن “الهواء”؟

ضربة قلم
في كل بيت مغربي تقريبًا، تتحول لحظة تسلُّم فاتورة الماء والكهرباء أو وصولها في رسالة نصية عبر الهاتف المحمول، إلى طقس مشحون بالتوتر والدهشة، بل وأحيانًا بالغضب. تتكرر الأسئلة نفسها: “واش بصح هادشي كنستهلكو؟”، “علاش الفاتورة كتطلع بحال الصاروخ؟”، و”فين مشاو هاد الأرقام العجيبة اللي كاتسجل؟”. وكأن المواطن أمام لغز رياضي معقد، لا يعرف إن كان سيدفع ثمن الماء والكهرباء التي استهلكها فعلًا، أم أنه يؤدي ثمن “الهواء” الذي تسلّل من بين ثغرات العدّادات وتعقيدات الجداول الحسابية.
فواتير ملتهبة… وأجور متواضعة
واقع الحال يكشف عن معاناة شريحة واسعة من الأسر المغربية، خصوصًا في المدن الكبرى التي تعرف ارتفاع تكاليف العيش. الأسرة المتوسطة التي يتراوح دخلها الشهري بين 3000 و6000 درهم، تجد نفسها أمام فاتورة ماء وكهرباء قد تلتهم ربع أو ثلث راتبها. وهنا يبدأ النزيف الحقيقي: ماذا يتبقى للأكل، الكراء، التنقل، الصحة، والدراسة؟
لا غرابة إذن أن أصبح استلام الفاتورة أشبه بجرس إنذار، يذكّر الأسر بأن “شهر الصيام” المالي قد بدأ من جديد. بعض العائلات باتت مضطرة لتقنين الاستعمال بشكل مبالغ فيه: إطفاء الأضواء مبكرًا، الحد من تشغيل الأجهزة المنزلية، وحتى النقاشات الساخنة حول عدد مرات الاستحمام وغسل الملابس!
“الفلسفة” الغريبة في احتساب الاستهلاك
إذا حاولنا فهم المنطق الذي تُبنى عليه الفاتورة، نجد أنفسنا أمام فلسفة محاسبية أقرب إلى “الفخ”. فالاستهلاك لا يُحتسب بشكل مباشر، بل يقسم إلى أشطر. والمصيبة أن تجاوز الشطر الأول بقطرة ماء واحدة، يُقذف بالمستهلك مباشرة إلى الشطر الثاني، ليؤدي ثمن كل الاستهلاك بذلك السعر المرتفع. الأمر أشبه بمن يدخل إلى مطعم، فيأكل نصف طبق، لكن الفاتورة تُحتسب عليه، وكأنه ابتلع المائدة بأكملها!
الأغرب أن المواطن حين يحاول الاعتراض أو الفهم، يجد نفسه أمام لغة تقنية غامضة: “التعريفة التصاعدية”، “مصاريف الأشطر”، “إعادة التقدير”، “مصاريف ثابتة”… مصطلحات تزيد الطين بلة، وتمنح المواطن إحساسًا بأنه مجرد “زبون” لا خيار أمامه سوى الدفع أو قطع الخدمة.
الماء والكهرباء… حق أم سلعة فاخرة؟
الماء والكهرباء ليسا رفاهية. هما من أبسط مقومات العيش الكريم، وأي انقطاع فيهما يُدخل الأسرة في فوضى عارمة. ومع ذلك، صار الحصول عليهما أشبه بامتياز مدفوع الثمن، لا خدمة عمومية تُؤدى بالعدل والإنصاف.
أضف إلى ذلك واقع التسيير المفوض الذي ظل لسنوات طويلة في عدد من المدن، حيث تتحكم شركات أجنبية أو مختلطة في تدبير الماء والكهرباء. هنا، يطرح المواطن السؤال الحارق: من أولى بالأرباح؟ المواطن الذي يؤدي الفاتورة بعرق جبينه، أم الشركات التي تضيف هوامش ربح على حساب جيبه؟
معاناة صامتة… وغضب مكتوم
قد نعود غدا أو بعده إلى احتجاجات يومية في الشوارع وأمام وكالات الشركة العجيبة متعددة الاختصاصات بسبب الفواتير، لكن الغضب يتراكم بصمت داخل البيوت. حديث المقاهي، أسئلة مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى دعوات بعض الجمعيات الحقوقية لتبسيط الفواتير أو مراقبة عدادات الاستهلاك… كلها مؤشرات على أن المسألة لم تعد مجرد “شكوى عابرة”، بل تحولت إلى قضية اجتماعية تمس السلم المعيشي للأسر.
بين الحلول الممكنة والواقع القاسي
البعض يقترح مراجعة نظام الأشطر ليكون أكثر عدلًا، بحيث يُحاسب المواطن على استهلاكه الحقيقي لا على “قفزة” غير محسوبة. آخرون يطالبون برقمنة العدادات وربطها بتطبيقات شفافة، تمكن المواطن من متابعة استهلاكه يومًا بيوم، بدل أن يتفاجأ بفاتورة نهاية الشهر. وهناك من يرى أن الحل يكمن في إعادة النظر في العقود، أو على الأقل وضع آليات مراقبة حقيقية تحمي المستهلك.
لكن السؤال الذي يظل يطارد الجميع هو: هل نحن أمام خدمة عمومية ينبغي أن تُؤدى بشكل منصف، أم أمام تجارة مربحة لا يهمها إلا الأرقام في نهاية الشهر؟
خاتمة
المغاربة اليوم لا يعانون فقط من غلاء الأسعار في الأسواق، بل يجدون أنفسهم محاصرين حتى داخل بيوتهم بفاتورة ماء وكهرباء قد تكون أكثر قسوة من فواتير الكراء والدواء. وما دامت الفلسفة الغامضة في احتساب الاستهلاك مستمرة، سيظل السؤال معلقًا: هل ندفع ثمن الخدمة التي استعملناها حقًا، أم أننا ببساطة نمول “الهواء” الذي لا يُرى ولا يُشرب ولا يُنار به البيت؟




