
ضربة قلم
المغرب بلد شقيق، نعم، بل أكثر من ذلك: بلد حاضر في الوجدان العربي، في التاريخ المشترك، في الذاكرة الثقافية، وفي الجغرافيا التي وإن فصلتها المسافات، جمعتها اللغة والرموز الكبرى. غير أن هذه الأخوّة، ولسبب عصيّ عن الفهم أحيانًا، تتعرض لاختبار قاسٍ، كلما دخلت كرة القدم على الخط. عندها، وبقدرة قادر، تتحول العاطفة من تضامن إلى توتر، ومن تشجيع “الأخ” إلى ترصّد “المنافس”، ومن فرح مشترك إلى غصّة غير مبررة.
منذ مونديال قطر 2022، تغيّر شيء ما في النظرة إلى المنتخب المغربي. لم يعد “الضيف اللطيف” الذي يُصفّق له عند الخروج المشرف، بل صار رقما صعبا، وحلما مؤجلا لغيره، ومرآة، تعكس ما كان يمكن أن يكون ولم يكن. وصول المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم، لم يكن مجرد إنجاز رياضي؛ كان زلزالا رمزيا، هزّ سرديات جاهزة، وكسر ترتيبًا نفسيا، غير معلن داخل الكرة العربية. لأول مرة، بلد عربي لا يكتفي بالمشاركة المشرفة، بل يذهب بعيدا… بعيدا جدا، إلى حيث لا يُنتظر العرب عادة.
هنا بالضبط بدأ الحسد الواضح، أو لنكن ألطف قليلا: بدأ “الانزعاج”. انزعاج من منتخب لم يطلب التصفيق، بل فرض الاحترام. انزعاج من مشروع كروي، لم يُبنِه الحظ، بل التخطيط، والاستثمار، والاستمرارية. انزعاج من جماهير تعرف ماذا تريد، ومن لاعبين يلعبون بلا عقدة نقص، ومن مدرب يفهم أن القميص الوطني ليس زينة احتفالات.
ولأن الحسد لا يظهر دائما في شكله الخام، فإنه غالبا ما يتسلل عبر التفاصيل الصغيرة: تعليق عابر، نبرة صوت، حماس غير متوازن، أو “حياد” مائل بوضوح. وهذا ما لاحظه كثيرون، قبل أيام قليلة، خلال نهائي كأس العرب 2025 في قطر، حين واجه المنتخب المغربي نظيره الأردني. مباراة نهائية، يفترض فيها أن يكون الوصف متزنا، وأن تُحترم المهنية، وأن يُترك الميدان للاعبين. لكن أحد الواصفين الرياضيين، ويا للمفارقة، نسي نفسه وهو يؤدي مهمته.
مع كل هجمة أردنية، يرتفع صوته، يتسارع إيقاعه، يخون الحياد وتفضحه العاطفة. ومع كل لمسة مغربية؟ برود، تحفظ، أو تعليق عابر بلا روح. لم يكن الأمر بحاجة إلى محلل نفسي؛ القلب كان واضحا في مكانه… ليس مع الكرة، بل مع طرف دون آخر. وهنا لا نتحدث عن تشجيع، فالتشجيع حق، بل عن خلط فجّ، بين المهنة والميول، بين الوصف والانحياز.
ولعلّ أكثر ما أثار الانتباه في تلك الأمسية الكروية، أن الواصف الرياضي، لم يكن أردنيًا حتى يُفهم اندفاعه العاطفي في إطار الانتماء الوطني، بل كان عربيًا إفريقيًا، يفترض فيه -مبدئيًا على الأقل- مسافة مهنية واحدة من الجميع. غير أن كرة القدم، كما يبدو، قادرة على تعرية ما تخفيه الأقنعة، وعلى كشف الميول حين تختلط النبرة بالهوى، ويتحوّل الوصف من نقل للحدث إلى اصطفاف وجداني مكشوف.
ورغم ذلك، وربما بسببه أيضا، انتصر المغرب. انتصر في النتيجة، وفي الأداء، وفي الرسالة. انتصر على منتخب أردني شقيق، قدّم بدوره مباراة محترمة، وانتصر كذلك على ذلك الانحياز غير المعلن، الذي كان ينتظر أي تعثر مغربي ليقول: “ألم نقل لكم؟”. لكن الكرة، كعادتها، لا تكذب، ولا تجامل. هي لا تعترف بالنوايا، بل بالأقدام.
المثير في الأمر أن هذا الفوز، لم يحمل أي شماتة مغربية، ولا خطابات انتصار متعجرفة. لأنه ببساطة، بالنسبة للمغاربة، الأمر صار طبيعيا. الفوز لم يعد معجزة، بل نتيجة منطقية لمسار واضح. بينما عند البعض الآخر، كل فوز مغربي هو “استفزاز غير مقصود”، وكل تتويج هو تذكير قاسٍ بأن الزمن تغيّر.
وفي النهاية، لا بد من التذكير بما يبدو بديهيا، لكنه يُنسى كثيرا: نحن هنا نتحدث عن كرة القدم. لا عن السياسة، ولا عن الاصطفافات، ولا عن معارك الهوية. كرة قدم فقط. فوز وخسارة، كأس تُرفع وأخرى تُؤجل. المغرب لم ينتصر على “الأمة”، ولم يهزم “العروبة”، بل فاز في مباراة، في ملعب، بقوانين واضحة، وحكم صافَر للنهاية.
المغرب بلد شقيق… نعم. لكن حين تدور الكرة، وتسخن المدرجات، وتُختبر النفوس، يظهر الفرق، بين من يرى في نجاح الآخر مصدر إلهام، ومن يراه مرآة مزعجة. والفرق بين الاثنين، أكبر بكثير من تسعين دقيقة.




