المغرب بعيون العارفين: حين يصبح الصمت أعلى درجات الفهم

محمد صابر
في المغرب، هناك فئة غريبة الأطوار، جميلة الخيبة، أنيقة في يأسها، يُقال عنها les observateurs critiques، أي أولئك الذين يرون ولا يُرون، يفهمون ولا يتورطون، يبتسمون بسخرية في جنازات الشعارات الوطنية، ويكتفون بإيماءة رأس حزينة حين يخرج مسؤول آخر من العدم إلى الأهم.
هم ليسوا سياسيين، ولا يريدون أن يكونوا. لا يرفعون شعارات، ولا يصفقون في التجمعات، ولا تلمع أعينهم عند رؤية وزير سابق يوزع الوعود كأنها حلوى على أطفال سذج. إنهم يشبهون حكماء قُرى مهجورة، يتكلمون قليلاً، يضحكون كثيراً، لا لأنهم سعداء، بل لأن الواقع أكثر هزلًا من كل نكتة.
هؤلاء لم يعودوا يصدقون في الحديث عن “الانتقال الديمقراطي” ولا “مشروع الجهوية المتقدمة”، ولا تثير فيهم كلمة “الإصلاح” سوى نوبة ضحك مكتومة، كما لو سمعوا عن محاولة طهي الكسكس في ميكروويف.
فهموا اللعبة مبكراً، وربما دُعوا إليها مرة، ثم اكتشفوا أنها لا تحتاج إلى لاعبين بل إلى كراكيز بربطة عنق، يحرّكها خيط خفي ينطلق من حيث لا يُرى، ويُنهي مسارها حيث لا يُسأل.
يعرفون من يتحكم فعلاً، من يهمس في أذن البرلمان، ومن يكتب التقارير السيادية بحبر لا يُمحى، من يُلمّع الفاشلين ويُطفئ الناجحين، من يصنع الأحزاب كما تُصنع علب السردين، ومن يفتح القنوات في وجه هذا، ويغلقها في وجه ذاك، لأن الريموت كنترول لا تملكه “الشعبوية”، بل ناصحو الظل وخبراء الفرملة.
يعرفون كيف تُطبخ الانتخابات على نار التوافق البارد، وكيف تُوزَّع الألوان كما تُوزَّع الحلويات في حفلات نهاية الحملة.
يعرفون كيف يُؤطر نواب الأمة على طاعة المخزن، لا على خدمة المواطن، وكيف يُلقَّنون لغة التحامل ضد هذا الحزب أو ذاك، بحسب ما تقتضيه “المرحلة”، لا ما يتطلبه الضمير أو القانون.
ويعلمون – يا للأسى – أن الاقتصاد ليس في يد من يشتغلون، بل في يد من يُباركون.
أن الثروات في المغرب لا تأتي من الذكاء ولا من العرق، بل من القرب من القرار، ومن الانحناء عند العتبات، ومن حُسن الفهم لقاموس الولاء.
ويعرفون أيضاً أن بعض المسؤولين أصيبوا بسعار نادر اسمه “السلطة الزائدة”، حيث تتحول كل إدارة إلى جهاز صراف آلي، وكل اجتماع إلى فرصة استثمار، وكل توقيع إلى نصيب من الغنيمة.
وهم يعلمون، دون حاجة إلى تسريبات، كيف تُوزَّع المناصب كما تُوزع قطع الدومينو، كيف تُمنح لشخص لأنه “معقول” في نظر من لا يُناقش، أو تُسحب من آخر لأنه بالغ في الاجتهاد. بل والأدهى من ذلك: يعرفون أن المناصب تُباع، نعم، بالمزاد، وبالتحالفات، وبالسماسرة، كما تُباع الأبقار في سوق ثلاثاء مشمس.
لكنهم، رغم علمهم بكل ذلك، لا يصرخون في وجه التلفزة، ولا يكتبون على فيسبوك “أين الملك؟” – كان الله في عونه وسط هذا الركام من الرداءة – ولا يقفون في ساحة عمومية يهتفون، لأنهم يعرفون أن المسرح لا يحتاج لمزيد من المتفرجين.
هم ببساطة، انسحبوا.
من السياسة، من المهزلة، من دوامة الأمل الكاذب.
انسحبوا لأنهم تعبوا من أن يكونوا ديكورًا في مسرح لا يتغير فيه النص، فقط الممثلون.
انسحبوا لأنهم رفضوا أن يُصفَّق لهم وهم يعلمون أن المقصود بالتصفيق ليسهم، بل من فوقهم، ومن خلفهم، ومن لا يظهر أصلاً.
هم ليسوا خونة ولا جبناء، بل شجعان من نوع آخر، شجعان بالصمت، بالمقاطعة، بالمعرفة الموجعة، أولئك الذين حين تراهم في المقاهي، لا يعلّقون على الأخبار، بل يكتفون بشهقة ساخرة… ثم يطلبون قهوة سوداء، دون سكر.
لأن الحلاوة لم تعد موجودة في هذا الوطن،
وهم، على الأقل، لم يعودوا بحاجة إلى كذبة جديدة ليبتسموا.




