الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المغرب بين دفء الأمس وبرودة المصالح: حكاية أزقة تبكي

ضربة قلم

قديماً، في أزقة المدن المغربية، كانت الإنسانية تُقاس بالخبز الذي يُشارك، وبابتسامة الجارة التي تمد يدها قبل أن تطلب شيئاً، وبقليل من الزيتون أو التوابل التي تتحول إلى مهرجان صغير للفرح. الأطفال يركضون من بيت إلى آخر، لا يحملون هواتف ذكية، بل يحملون صدقات صغيرة وأحلاماً كبيرة، والنساء، بكل صراحة وحرية، يمددن يدهن دون خجل، لأنهن يعرفن أن الحياة أقصر من أن يُضيعن وقتهن على القيود. كانت العلاقات الإنسانية هنا، في المغرب، أكثر دفئاً من الشمس، أصدق من الماء الجاري في الشوارع بعد المطر.

واليوم؟ آه اليوم… صار كل شيء لعبة مصالح، حيث من يبتسم اليوم قد يطعن غداً، ومن يمد يد العون يُحسب له حساب، وكل محبة صارت مؤقتة، تصمد فقط طالما أن المصالح قائمة. الحسد والنميمة أصبحا أبطالاً خفيين في مسرح الحياة اليومية، يترصدون الأخطاء كما يترصد الصياد طريدة ضعيفة، وفي بعض الأحيان يضحكون في وجهك بابتسامة تبدو صافية، لكنها أكثر سمًا من أي عقرب.

المفارقة الساخرة أن المغرب، رغم كل بروده في العلاقات اليوم، ما زال يحتفظ ببقايا دفء الأمس. في المقاهي القديمة، في الأسواق، في حكايات العائلة، يظهر ذاك الإنسان المغربي الحقيقي: حنون، مضحك، أحياناً غاضب، لكنه حاضر بقدر ما يستطيع من حرارة لا تُقاس. والدراما تكمن في التناقض، بين ما كان وما أصبح، بين الأزقة التي كانت تبكي فرحاً وتضحك، وبين الأزقة الحديثة التي تبكي مصالح وابتسامات مدفوعة الثمن.

المغرب اليوم مجتمع يعاني قليلاً من برودة قلبه، لكنه، وإن بدا متناقضاً وساخراً، لا يزال قادراً على أن يجد بين ذكرياته ودفء الماضي لحظة صافية واحدة تُذكّره بأن الإنسانية، رغم كل شيء، لم تُمح بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.