الرأي
المغرب بين ضباب الجغرافيا السياسية ونسمات الاستقرار الاقتصادي

بقلم: محمد كزاوي
في زمن تتقاطع فيه الأزمات الجيوسياسية مع ارتجاجات الأسواق العالمية، لا بد للسياسات النقدية أن ترفع من منسوب اليقظة والتحليل الاستباقي، بدل الاكتفاء بانتظار تبلور المعطيات. فقد وصف والي بنك المغرب، السيد عبد اللطيف الجواهري، التداعيات الاقتصادية للحرب الإسرائيلية–الإيرانية بـ”الضبابية”، معتبرًا أن التسرّع في التقييم ليس في محله. ورغم احترامنا لهذا التريّث المؤسسي، فإننا نرى أن الضباب لا يمنع من قراءة الاتجاهات، بل يُحتّم استشراف مآلاتها.
الخوف اللاشعوري… والمغرب كملاذ آمن
لقد ولّدت الحرب في الشرق الأوسط مشاعر هلع غير معلنة لدى فئة واسعة من المستثمرين، خصوصًا في الخليج، حيث نلحظ تحولًا تدريجيًا في وجهة الرساميل نحو المغرب. هذا التحول لا يرتكز فقط على مؤشرات الربحية، بل يُستند إلى ما نسميه بـ**”الخوف اللاشعوري الاستثماري”**، أي ذلك الإحساس الغريزي الذي يدفع رأس المال إلى البحث عن ملاذ مستقر، آمن، ومحترم لقواعد الشفافية والنمو المتوازن.
ويقدم المغرب في هذا الإطار صورة فريدة في شمال إفريقيا من خلال:
استقرار سياسي متين على مدى عقود، مع نظام مؤسساتي يحظى بثقة واسعة.
حوكمة اقتصادية رصينة تؤكدها تقارير البنك الدولي، خاصة تقرير “مناخ الأعمال في الدول الصاعدة” لعام 2024، حيث حقق المغرب تقدمًا واضحًا في تسهيل بيئة الأعمال.
انفتاح اقتصادي على الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المالية، بما يعزز جاذبية الاستثمارات الأجنبية والمحلية على حد سواء.
انفراج مرتقب… ومكاسب محتملة
تشير آفاق المفاوضات الدولية الجارية بشأن تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا وإيران، والحديث المتزايد عن رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية، إلى بوادر انفراج قد يكون له وقع اقتصادي عالمي إيجابي. فعودة اللاعبين الكبار في قطاع الطاقة إلى الأسواق بشكل طبيعي تعني ازدياد العرض، ومن ثمّ:
انخفاض أسعار النفط والغاز عالميًا، مما يقلل من كلفة الفاتورة الطاقية على المغرب.
تراجع أسعار المواد الأولية وتكاليف النقل الدولي، ما يخفف من ضغوط التضخم على الاقتصاد الوطني.
تحفيز الإنتاج الوطني عبر خفض كلفة التصنيع، ما يعزز تنافسية الصادرات المغربية في الأسواق العالمية.
ويؤكد تقرير صندوق النقد الدولي لشهر أبريل 2025 أن عودة إيران وروسيا إلى أسواق الطاقة بشكل طبيعي قد تخفض سعر برميل النفط إلى ما دون 70 دولارًا خلال الأشهر القادمة، وهو خبر سار لاقتصادات مستوردة مثل المغرب.
بورصة البيضاء… مؤشر الثقة الصاعدة
في ظل هذه التحولات، تبرز بورصة الدار البيضاء كفاعل محوري يعكس صعود الثقة في الاقتصاد الوطني. فقد صنّفها الاتحاد العالمي للبورصات (WFE) ضمن أهم الأسواق الواعدة في إفريقيا لعام 2024، نظرًا لزيادة عدد الإدراجات، وتحسين آليات الحوكمة، ورقمنة عمليات التداول.
ولم تعد بورصة البيضاء مجرد سوق لتداول الأسهم، بل أصبحت رافعة اقتصادية تخلق النسيم المالي الضروري لتحريك الاستثمار، وتشجيع الإدراجات الجديدة، ودعم تمويل الشركات الوطنية. وفي وقت تعاني فيه العديد من الأسواق العالمية من الارتباك، تبرز بورصة البيضاء كاستثناء إيجابي في إفريقيا والمنطقة، مما يعزز موقع المغرب كوجهة موثوقة للمستثمرين.
تأكيدات من التقرير السنوي لبنك المغرب 2023
كما ورد في التقرير السنوي لبنك المغرب برسم سنة 2023، المُقدّم إلى السدة العالية بالله جلالة الملك محمد السادس نصره الله، فإن المؤسسة النقدية حرصت على دعم استقرار الاقتصاد الوطني من خلال “تعزيز أداء البنية التحتية للأسواق المالية”، وتطوير خدمات الأداء الرقمي عبر التحويل الفوري، واستقبال 83 شركة تقنية مالية (Fintech) في إطار سياسة الانفتاح على التكنولوجيا المالية.
وأشار التقرير إلى أن المغرب استطاع، رغم السياقات الدولية الصعبة، أن يحافظ على احتياطاته من العملة الصعبة بما يغطي 5.5 أشهر من الواردات، وأن يخفض العجز الجاري إلى 0.6٪، وهو ما يؤكد أن البلاد تتوفر على قاعدة صلبة تؤهلها ليس فقط للصمود، بل لجذب الاستثمارات الأجنبية الباحثة عن الأمن والاستقرار.
من الضباب إلى البوصلة: رؤية استشرافية
إن المؤشرات التي تقدمها التقارير الرسمية لمؤسسة مثل بنك المغرب، إضافة إلى قراءة الواقع النفسي–الجيوسياسي الذي يشكل “الخوف اللاشعوري” للمستثمرين، يفرضان على صناع القرار ضرورة توسيع زاوية الرؤية لتشمل البعد النفسي، الجيوسياسي، والاستراتيجي، إلى جانب المؤشرات المالية التقليدية.
المغرب يقف في لحظة نادرة تمكنه من تحويل التحديات العالمية إلى فرص محلية، شرط أن يحسن التموضع، ويقرأ الرياح قبل أن تهبّ، ويستثمر استقراره السياسي والاقتصادي كرافعة لجذب مزيد من الاستثمارات النوعية.
المصادر والشواهد:
البنك الدولي، تقرير “مناخ الأعمال للدول الصاعدة”، 2024.
صندوق النقد الدولي، تقرير “الآفاق الاقتصادية العالمية”، أبريل 2025.
الاتحاد العالمي للبورصات (WFE)، تقرير تصنيف الأسواق الناشئة، 2024.
تقرير بنك المغرب السنوي برسم 2023، متاح على الموقع الرسمي لبنك المغرب.
تصريحات والي بنك المغرب، ندوة صحفية 24 يونيو 2025 (هسبريس).



