مجتمع

المغرب… حين يُفْرِز الهامش جسدًا يُستثمر ويُنسى: قراءة في تفشي ظاهرة البغاء وسط الأزمة الاجتماعية

ضربة قلم

في مغرب تُعلن فيه الدولة عن إصلاحات اجتماعية وهيكلية كل عام، وتتفاخر بخطط الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، تُطِلّ الحقيقة من الأزقة الخلفية: نساء على قارعة الفقر يبعن أجسادهن تحت ضوء مصباح خافت أو في صمت غرف فنادق رخيصة، في مدن تنمو عمرانياً وتنهار إنسانياً.

ليست الظاهرة جديدة، لكن ما تشهده البلاد في السنوات الأخيرة هو تحول كمي ونوعي مقلق: لم تعد الدعارة مجرد ظاهرة هامشية بل أصبحت مؤسسة غير معلنة، لها شبكاتها، وسماسرتها، وزبائنها من مختلف الطبقات، والأخطر من ذلك: أصبحت خيارًا اضطراريًا لعدد متزايد من النساء في ظل انسداد الأفق الاجتماعي.

أزمة لا تسعها الشعارات

الأرقام الرسمية تحجم عن الحديث، لكن المعطيات الميدانية لا يمكن إخفاؤها:

  • بطالة مرتفعة، خاصة وسط النساء والشباب.
  • فقر متعدد الأبعاد يطال السكن، والصحة، والتعليم، ويقود إلى العزلة الاجتماعية.
  • التمييز بين الجهات، حيث تنتشر الظاهرة أكثر في مناطق معينة (من الشمال إلى الجنوب)، التي أصبحت وجهات مفضلة لما يسمى بـ”السياحة الجنسية”.
  • فشل المنظومة التربوية في خلق وعي جنسي واجتماعي حقيقي، يُحصّن الفرد بدل أن يجرّمه لاحقًا.

ما يحدث ليس انحلالًا أخلاقيًا بقدر ما هو انهيار اجتماعي، جعل الجسد آخر وسيلة للعيش في ظل هشاشة الدولة.

من التفريخ إلى التطبيع

الخطير في الظاهرة ليس فقط تفشيها، بل “تطبيعها” الاجتماعي:

  • هناك أحياء وشقق تُعرف بأنها مراكز للدعارة، لا يجهلها المواطن ولا تغيب عن أجهزة الأمن، لكنها تستمر في الاشتغال وكأنها جزء من “التوازن العام”.
  • صفحات التواصل الاجتماعي أصبحت تُروّج علنًا لأشكال من “الدعارة الرقمية” المقنّعة في عروض تدليك أو خدمات مواكبة.
  • هناك من الفتيات من تعتبر “مرافقة الأغنياء” حلماً مشروعاً لا يقل وجاهة عن شهادة جامعية، لأن المدرسة لم تعُد تضمن شيئاً.

هذا لا يحدث لأنهن فاسدات، بل لأن المجتمع بأسره أدار ظهره لهن، وأعاد إنتاج البغاء كـ”فرصة” في اقتصاد هش وعديم الرحمة.

التناقض القانوني والأخلاقي

القانون المغربي يجرّم الدعارة، لكنه:

  • لا يُوفر بدائل حقيقية للنساء المقهورات.
  • لا يُحصّن الرجال من أن يكونوا جزءاً من منظومة الاستغلال.
  • لا يجرّم الزبون كما هو الحال في نماذج دول الشمال الأوروبي، حيث يوجَّه العقاب إلى من يشتري الجسد، وليس فقط من يبيعه.
  • لا يواكب متغيرات العصر الرقمية، حيث أصبحت الدعارة تُمارس على الهاتف، في غرف مغلقة، وعلى منصات لا تصل إليها الرقابة.

النتيجة؟ منظومة قانونية عاجزة، وأخلاق اجتماعية مزدوجة، تلعن البغاء نهارًا وتدفع له ليلًا.

الدولة التي تفرّخ الأجساد وتدينها

عندما تفشل الدولة في:

  • خلق فرص الشغل
  • توفير تعليم يحصّن
  • نشر الوعي الجنسي
  • دعم الأسر الهشة
  • محاربة التحرش والابتزاز
  • ضمان حماية قانونية للفتيات القاصرات

فإنها تتحوّل، بشكل غير مباشر، إلى مصنع يُفرخ البغاء… ثم يدينه كما لو كان ظاهرة طارئة.

البغاء هنا ليس خيارًا حرًا كما تروّج بعض الخطابات الليبرالية. بل هو نتاج سلسلة من الإقصاء والفقر والقهر، تتحوّل فيه المرأة من كيان إنساني إلى سلعة هجينة: محتاجة ومرفوضة في آنٍ معاً.

نحو خطاب بديل

نحن لا ندعو إلى تبييض الظاهرة، لكننا نرفض كذلك شيطنة الضحايا. المطلوب ليس سجن الجسد، بل تفكيك الظروف التي دفعته إلى هذا المصير.

ما يحتاجه المغرب اليوم ليس فقط قوانين أكثر تشددًا، بل:

  • سياسات تعليمية تحصّن الفتيات من سن مبكرة
  • برامج دعم حقيقية للنساء المُعنّفات والفقيرات
  • محاسبة الشبكات المنظمة لا فقط ضحاياها
  • نقاش عام مسؤول حول الجسد والحرية والفقر، لا يتحكم فيه الوعظ ولا التفاهة

في الختام

الدعارة في المغرب ليست فضيحة نسائية، بل مرآة معطوبة لمجتمع يفشل في حماية أبنائه وبناته، ثم يُدينهم حين يسقطون.
هي صرخة صامتة من عمق الأحياء الفقيرة، ومن فوق الأرصفة الملوثة بالتهميش.
ومن لم يسمعها، فلأنه اختار أن يُغمض عينيه… لا لأن الصوت خافت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.