المغرب… مكبّ أوروبي تحت غطاء التدوير؟

ضربة قلم
ملف النفايات المستوردة من أوروبا ليس مجرد مسألة تقنية أو اقتصادية مرتبطة بإعادة التدوير، بل هو موضوع مركب يثير جدلاً بيئياً، سياسياً، وأخلاقياً، لأنه يلامس في العمق سيادة المغرب على مجاله الطبيعي وصحّة مواطنيه.
منذ سنوات، اعتمد المغرب سياسة “إعادة التدوير” عبر استيراد آلاف الأطنان من النفايات الصناعية والبلاستيكية من دول أوروبية، على أساس أن هذه العملية ستُستغل في الصناعات المحلية لإنتاج الطاقة البديلة أو مواد أولية يمكن إعادة استعمالها. وقد جرى تقديم ذلك كخيار استراتيجي يساعد على تقليص كلفة الإنتاج وتخفيف الضغط على الموارد الطبيعية، بل وحتى كخطوة “إيكولوجية” تساهم في الاقتصاد الأخضر.
غير أن هذه الصورة الوردية سرعان ما شابتها شكوك كبيرة. فمنظمات بيئية محلية ودولية دقت ناقوس الخطر، مؤكدة أن جزءاً من هذه النفايات لا يُعاد تدويره فعلياً، وإنما يُدفن أو يُحرق بطرق غير قانونية، في غياب مراقبة صارمة وشفافة. وهنا تطرح أسئلة حارقة: هل المغرب بحاجة فعلاً إلى استيراد نفايات من أوروبا، بينما يعاني أصلاً من عجز في تدبير نفاياته المحلية؟ أم أن الأمر مجرد “تفويض أوروبي” مقنّع، يهدف للتخلص من الأعباء البيئية الثقيلة في الضفة الجنوبية للمتوسط؟
المفارقة أن بعض هذه النفايات التي تدخل المغرب قد تكون محظورة في بلدان الاتحاد الأوروبي نفسها، لأنها تحتوي على مواد سامة أو ملوِّثة. وهذا يعني أن ما لا يُقبل في باريس أو برلين، يجد طريقه إلى ميناء مغربي، تحت يافطة “التدوير”. وهو ما يجعل من المغرب، في نظر المنتقدين، “مكباً خلفياً” لأوروبا، يُمنح غطاءً قانونياً وديبلوماسياً بعبارة فضفاضة: “التعاون البيئي”.
الملف يزداد خطورة حين نربطه بالصحة العامة. فحرق البلاستيك أو دفن نفايات صناعية غير مراقبة قد يطلق غازات سامة، مثل الديوكسين والفوران، التي لها ارتباط مباشر بالسرطانات وأمراض الجهاز التنفسي. كما أن تسرب بعض المواد الكيميائية إلى التربة والمياه الجوفية يمكن أن يهدد سلامة الساكنة والفلاحة على حد سواء، في بلد يُعوّل كثيراً على موارده الفلاحية للتصدير.
الجانب السياسي لا يقل حساسية. فملف النفايات المستوردة يكشف عن هشاشة في آليات الرقابة الحكومية وعن تغليب المصالح الاقتصادية لبعض الشركات الخاصة، التي ترى في هذه “الصفقات البيئية” فرصة لتحقيق أرباح سريعة، ولو على حساب سلامة المواطنين. بل إن بعض الجمعيات البيئية تحدثت عن “لوبيات خفية” تدافع بشراسة عن استمرار هذه الصفقات، وتستفيد من غموض التشريعات، ومن ضعف الضغط الشعبي على الحكومات المتعاقبة.
إن خطورة هذا الملف لا تكمن فقط في حجم الأطنان المستوردة، بل في صورة المغرب الدولية. فبلد قدّم نفسه في مؤتمر المناخ (كوب 22 بمراكش) كقائد إقليمي في مجال الطاقة النظيفة والالتزامات البيئية، يجد نفسه متهماً بفتح حدوده لنفايات أوروبية مشبوهة. هذه المفارقة تضعف المصداقية السياسية وتطرح علامات استفهام حول استقلالية القرار البيئي المغربي.
من هنا، يصبح ملف النفايات المستوردة من أوروبا امتحاناً حقيقياً للحكومة الحالية: هل هي قادرة على حماية سيادتها البيئية، ووضع مصلحة صحة المواطن فوق أي اعتبار اقتصادي أو ضغوط خارجية؟ أم أن الأمر سيظل مجرد جدل موسمي، يطفو عند كل فضيحة، ثم يخفت مع مرور الوقت، بينما تواصل السفن الأوروبية إنزال “حاوياتها” في الموانئ المغربية؟
إن طرح هذا الموضوع للنقاش العمومي، وتعزيز الشفافية حول نوعية النفايات، كمياتها، طرق معالجتها، والجهات المستفيدة منها، لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية. لأن البيئة ليست ملفاً تقنياً معزولاً، بل هي في صميم السيادة، والصحة، والعدالة البيئية بين الشمال والجنوب.




